قلمٌ يبني وعقلٌ يُفند: عندما تتحول الرياضة إلى ملحمة وطنية بقلم وجدي وزيري وتشريح الاستاذ الدكتورة إيناس محمود
في عدد يوم الثلاثاء المنصرم، وتحديداً في الصفحة الحادية عشرة من جريدتنا العريقة “الجمهورية”، كنا على موعدٍ مع تلاقٍ فريد من نوعه؛ تلاقٍ يجمع بين رصانة الأكاديمية ونبض الوطنية الحرة. حيث أتحفتنا الأستاذة الدكتورة إيناس محمود، أستاذ الصحافة القديرة بجامعة عين شمس، بقراءة تحليلية وتشريح أكاديمي رفيع المستوى لمقال الكاتب الكبير وجدي وزيري.
لم يكن المقال مجرد كلمات عابرة تسرد حدثاً، بل كان نموذجاً حياً لـ “الصحافة الهادفة والمتغيرة”، درسٌ بليغ يُقدم على طبق من ذهب لطلاب الصحافة والأجيال الواعدة التي تبحث عن المعنى الحقيقي لرسالة القلم.
من المستطيل الأخضر إلى رحاب الوطن العربي الكبير
لقد نجح الكاتب وجدي وزيري في صياغة معادلة صحفية لم يتوقعها أحد ، حيث ارتقى بالحدث الرياضي من مجرد منافسة داخل حدود الملعب، ليصنع منه وصفاً وطنياً عربياً خالصاً. هذا التحول العبقري لم يكن لمجرد الإبهار البلاغي، بل كان موجهاً بوعي تام نحو هدفين ساميين
الاول محاربة الشائعات المغرضة: التي تحاول بث الفتنة وتفتيت الصف العربي.
والثاني لمّ الشمل العربي: والتأكيد على أن ما يجمع شعوبنا من المحيط إلى الخليج هو شريان واحد ونبض مشترك.
منهج أكاديمي يُدرس لطلاب الصحافة
وهنا يأتي الدور الريادي للأستاذة الدكتورة إيناس محمود، التي لم تكتفِ بالإشادة بالمقال، بل غاصت بمبضع الجراح الأكاديمي لتكشف لطلابها وللقراء عن أسرار الصنعة الصحفية. لقد قدمت الدكتورة إيناس تحليلاً موضوعياً يوضح كيف يمكن للصحفي استخدام الأدوات والأساليب المتنوعة لتوجيه الرأي العام وبناء الوعي الوطني.
”إن الكتابة الصحفية ليست مجرد نقل للخبر، بل هي فن صناعة الأثر وتوجيه المسار، وهذا ما تجسد في قدرة الكاتب على تحويل الشغف الرياضي إلى طاقة وطنية إيجابية.”
أ.د. إيناس محمود (جامعة عين شمس)
أهم ملامح التحليل الأكاديمي في مقال الثلاثاء:
تطويع القوالب الصحفية: كيف يمكن الخروج من قالب “المقال الرياضي” الجامد إلى رحابة “المقال القومي الإرشادي” دون الإخلال بالمهنية.
الأسلوب التفاعلي السلس: دمج القارئ في الحدث وجعله شريكاً في التصدي للشائعات.
البلاغة الوطنية الواعية: استخدام لغة تجمع ولا تفرق، تبني الجسور وتهدم جدران الفرقة.
أيها الطلاب والباحثون في بلاط صاحبة الجلالة:
بين أيديكم في الصفحة الحادية عشرة نموذج يُدرس، ومدرسة تجمع بين تجربة الكاتب المخضرم وجدي وزيري، ورؤية الأستاذة الأكاديمية المبدعة د. إيناس محمود. ندعوكم جميعاً لقراءة هذا التحليل الاستثنائي، لتتعلموا كيف تكون الكلمة رصاصة في صدر الشائعات، ودرعاً يحمي وحدة هذا الوطن العربي الكبير.
وتوجه الحديث الدكتوره ايناس محمود للكاتب
أن المقال ، تتجلى براعة المعالجة الصحفية في أنكم لم تجعلوا قيمة المباراة رهينة بنتيجتها، وإنما ربطتموها بما هو أسمى وأبقى وهو كرامة الأداء . ففي رؤيتكم لا تقاس العزة بهدف يسجل أو بطولة تحصد، بل تتجسد في الثبات أمام التحدي، والإصرار على تقديم صورة تليق باسم مصر، والشجاعة في الدفاع عن رايتها مهما بلغت قوة المنافس. ومن هنا أرى أن المقال لم يقدم تغطية لحدث رياضي فحسب بل هو خطاب وطني وثقافي وإنساني، يحمل فلسفة تتجاوز حدود الملعب إلى آفاق الهوية والانتماء.
ولعل أكثر ما شد انتباهي أنكم لم تكتبوا عن مباراة بين مصر والأرجنتين بقدر ما كتبتم عن فلسفة المكان، فقد منحتم المستطيل الأخضر دلالة رمزية تتجاوز حدوده الجغرافية ليغدو قطعة من الوطن، تصان فوقها الكرامة الوطنية، وتختبر عليها إرادة المصريين أمام العالم. وهكذا لم يعد الملعب خلفية للأحداث، بل أصبح بطلا خفيا يقود البناء السردي للنص، حتى بدا أن كل خطوة على أرضه تحمل معنى، وكل التحام يجسد دفاعا عن الكبرياء الوطني، وكل دقيقة من زمن المباراة تروي فصلا من فصول الانتماء.
كما تجلت براعة قلمكم في توظيف القوة الناعمة من خلال اللغة ذاتها؛ فلم تكن الكلمات مجرد وسيلة لوصف المباراة، بل تحولت إلى أداة تبني صورة ذهنية لوطن يعرف كيف يحول المنافسة الرياضية إلى رسالة حضارية. فجاءت المفردات محملة بدلالات العزة والكبرياء والثقة بالنفس، مؤكدة أن التفوق الرياضي ليس مجرد نتيجة تدون في سجل المباريات، وإنما هو تعبير عن شخصية وطن يمتلك من التاريخ والوعي والإرادة ما يجعله حاضرا ومؤثرا في محيطه الإقليمي والدولي. لقد نجحتم في جعل اللغة تؤدي الدور نفسه الذي يؤديه اللاعب داخل الملعب؛ فكلاهما يدافع عن اسم مصر، أحدهما بالأداء والآخر بالكلمة.
ولذلك شعرت ، وأنا أقرأ المقال، بأن المباراة لم تعد مجرد تسعين دقيقة، بل أصبحت لحظة تستعاد فيها ذاكرة وطن اعتاد أن يحول التحديات إلى فرص لإثبات ذاته. لقد تحول المستطيل الأخضر في مقالتكم إلى مرآة تعكس الشخصية المصرية؛ صلبة في المواجهة، واثقة في قدراتها، ومتمسكة بكرامتها، لا تستمد قيمتها من النتيجة بقدر ما تستمدها من شرف المحاولة ونبل الأداء.