جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
بقلم / نجوى العشيري
وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش
كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعي الوطني
في الإسكندرية كان الحديث عن الهوية الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية، وفي نيويورك كان ارتفاع تكاليف المعيشة حاضرًا في حديث رئيسة وزراء اليابان.. وبين المكانين قضية واحدة: المواطن.
فهل يمكن أن نتحدث عن تماسك المجتمع بعيدًا عن تفاصيل حياة الناس؟
في مؤتمر «الهوية الوطنية» بمكتبة الإسكندرية، برزت العلاقة بين تماسك الجبهة الداخلية وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب أهمية الشراكة المجتمعية وتكافؤ الفرص، وهي قضايا تبدو للوهلة الأولى اقتصادية واجتماعية، لكنها في الحقيقة تمس صميم العلاقة بين المواطن ووطنه.
وهنا يظهر الوجه الآخر للهوية الوطنية.
فالهوية لا تتشكل فقط من التاريخ والثقافة والرموز المشتركة، وإنما تتجسد أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ في بيت يستطيع تدبير احتياجاته، وفي سوق تتوافر فيه السلع، وفي مواطن يشعر أن ما يُبذل من أجل التنمية ينعكس على حياته، حتى وإن كان ذلك بصورة تدريجية.
فماذا يحدث عندما تصبح احتياجات الأسرة اليومية أكثر كلفة؟
لا يصبح الأمر مجرد مسألة سعر سلعة ارتفع، وإنما يمتد أثره إلى قدرة الأسرة على الادخار، والتعليم، والصحة، والتخطيط للمستقبل، وعلى المشاركة في الحياة العامة بصورة أكثر إيجابية.
ومن هنا يصبح ضبط الأسواق قضية تتجاوز مجرد حماية المستهلك في لحظة البيع.
السوق يحتاج إلى توافر السلع، والمنافسة، وتشجيع الإنتاج، والرقابة على الممارسات غير المنضبطة، حتى لا يتحول اختلاف الأسعار أو نقص بعض السلع إلى عبء إضافي على الأسرة.
وتأتي المعارض والمبادرات التي تقيمها الدولة، أو الأحزاب، أو مؤسسات المجتمع المدني، لتوفير احتياجات الأسر بأسعار مناسبة، كأحد أدوات تخفيف الأعباء عن المواطنين.
هذه المعارض تؤدي دورًا مهمًا، لكنها لا تصل بالضرورة إلى كل الأسر، كما أنها بطبيعتها ليست بديلًا عن سوق مستقر ومنضبط يعمل طوال العام.
فالأسرة لا تحتاج فقط إلى أن تجد منفذًا تشتري منه احتياجاتها بسعر أفضل في وقت معين، وإنما تحتاج إلى أن تجد السلعة بسعر عادل في السوق الذي تتعامل معه كل يوم.
وهذا يجعل الرقابة على الأسواق جزءًا من منظومة أكبر: حماية القدرة الشرائية، وضمان المنافسة، وتشجيع الإنتاج، وتوفير السلع، ومواجهة أي ممارسات تضر بالتوازن المطلوب بين المنتج والتاجر والمستهلك.
وعندما نتحدث عن تماسك الجبهة الداخلية، فإن هذه التفاصيل ليست بعيدة عن الموضوع.
فالمجتمع المتماسك لا يقوم على المشروعات الكبرى وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى مواطن قادر على العمل والإنتاج وتدبير حياته والمشاركة في مجتمعه.
ولذلك فإن التنمية لا ينبغي أن تُقاس فقط بحجم ما نُنشئه من مشروعات، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على تحسين حياة الناس وفتح مساحة أكبر أمامهم للمشاركة في المستقبل.
وهنا تتضح العلاقة بين الاقتصاد والهوية.
فالهوية الوطنية تبدأ من تفاصيل الحياة.
تبدأ عندما يشعر المواطن أن وطنه ليس فقط المكان الذي يعيش فيه، وإنما المساحة التي يعمل فيها، ويبني مستقبله، ويرى فيها أثر ما يُبذل من جهد.
ومن هنا فإن حماية قدرة المواطن على مواجهة أعباء الحياة ليست قضية اقتصادية منفصلة عن المجتمع، وإنما هي جزء من الحفاظ على مجتمع قادر على الاستمرار والمشاركة والبناء.
قد تختلف الظروف بين مصر واليابان، وقد تختلف أدوات التعامل مع الضغوط الاقتصادية من دولة إلى أخرى، لكن الإنسان يظل في قلب أي تجربة تنموية ناجحة.
ومن الإسكندرية إلى نيويورك، تتغير الأماكن وتبقى القضية واحدة: كيف نجعل التنمية أقرب إلى حياة الناس؟
فالمواطن ليس متلقيًا لثمار التنمية فقط، بل شريك في استمرارها.
فالتنمية الحقيقية ليست ما نبنيه فقط.. وإنما ما يجعل حياة الناس أكثر قدرة على الاستمرار والبناء.
أما السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه في مقال آخر، فهو:
هل يمكن أن نتحدث عن تماسك المجتمع بعيدًا عن تفاصيل حياة الناس؟