لم تعد الحروبُ في عصرِنا الراهن تُقاسُ فقط بصريرِ السلاحِ أو بدويِّ المدفعيةِ في ميادينِ القتال؛ فقد تحوّلت ساحاتُ المواجهةِ العسكريةِ التقليديةِ إلى ميادينَ أشدَّ خطورةً وأكثرَ تعقيداً، تمسُّ عقولَ البشرِ ووجدانَهُم. إننا نعيشُ اليومَ في خِضمِّ حروبِ الجيلينِ الرابعِ والخامس، تلكَ المعاركِ الخفيةِ التي لا تُسقِطُ المباني والمؤسسات، بل تستهدفُ إراقةَ الثقةِ، وتهديمَ الجبهةِ الداخليةِ، وزعزعةَ استقرارِ الأوطانِ من الداخل.
إنَّ المحرّكَ الأساسيَّ لهذهِ الحروبِ الحديثةِ يكمنُ في “الحربِ النفسية” وتزييفِ الحقائق، حيثُ أصبحت الشائعةُ سلاحاً فتاكاً يُوجَّه بعنايةٍ ودقةٍ عبرَ منصاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ وشبكاتِ الإنترنت. في العصرِ الرقميِّ، لم يَعُد الخطرُ القادمُ عبرَ الحدودِ الماديةِ هو التهديدَ الوحيد، بل باتت المعلومةُ المضللةُ الماكرةُ تتسللُ إلى بيوتِنا، وتخترقُ عقولَ أبنائِنا، محاولةً تشكيكَهُم في إنجازاتِ وطنِهِم، وإحباطَ عزائِمِهِم، وتزييفَ إدراكِهِم للواقع.
إنّ الهدفَ الخبيثَ لكتائبِ التزييفِ وصُنّاعِ الشائعاتِ ليس مجردَ نَشْرِ خبرٍ كاذب، بل إحداثُ حالةٍ من البلبلةِ الشاملة، والتشكيكِ المستمرِّ في كلِّ جهدٍ يُبذَل، وفي كلِّ خطوةٍ تخطوها الدولةُ نحو البناءِ والاستقرار. يحاولونَ سلْبَ الروحِ المعنويةِ للأمة، وتحويلَ الثقةِ إلى شَكّ، والأملِ إلى يأس، حتى تضعُفَ الجبهةُ الداخليةُ وتتآكلَ من الداخل، لِيَسهُلَ بعدَ ذلكَ الانقضاضُ على مقدراتِ الوطن.
ولكن، أمامَ هذهِ الهجمةِ الشرسةِ والتحدياتِ الرقميةِ المتعاظمة، يبرزُ “الوعيُ الوطنيُّ” باعتبارِه خطَّ الدفاعِ الأول، والسلاحَ الأقوى الذي لا يُقهر. إنَّ بناءَ وعيِ المواطنِ لم يَعُد مجردَ رفاهيةٍ فكريةٍ أو خيارٍ ثانوياً، بل هو ضرورةٌ قوميةٌ وأمنٌ قوميٌّ بامتياز. المواطنُ الواعي هو العقلُ المترصدُ لكلِّ محاولةِ خداع، وهو السدُّ المنيعُ الذي تتكسرُ عليهِ كلُّ موجاتِ الإحباطِ والتشكيك.
إنَّ المواجهةَ الحقيقيةَ في معركةِ العقولِ تقتضي منا جميعاً ألا نكونَ معبراً أعمى للشائعات، أو أداةً ناعمةً تُسهمُ في ترويجِ السمومِ الفكريةِ بغيرِ قصد. يجبُ أن يتسلّحَ كلُّ فردٍ بمهارةِ التثبُّتِ والتدقيق، وأن يرجعَ دائماً إلى المصادرِ الرسميةِ والموثوقةِ قبلَ نقلِ أيِّ نبأٍ أو تداولِ أيِّ مقطع. فالكلمةُ في هذا العصرِ مَسؤولية، وإعادةُ نَشْرِ الشائعةِ هو مشاركةٌ غيرُ محسوبةٍ في إضعافِ جدارِ الوطن.
حتى لا ننسى.. إنَّ الأوطانَ لا تُحمَى بالسلاحِ والعتادِ وحدهما، بل تُصانُ أيضاً بعقولِ أبنائِها ووعيِهِم القوميِّ الصليب. وإنَّ مصرَ التي عبرت الملاحمَ وتجاوزت المِحنَ عبرَ تاريخِها الممتد، لقادرةٌ بوعيِ شعبِها العظيمِ وتماسكِ جبهتِها الداخليةِ على دحرِ حروبِ الشائعات، وحمايةِ عقولِ أبنائِها من زيفِ المضللين. فلْنكن جميعاً حُراساً لحقيقةِ هذا الوطن، ولْنحملْ الوعيَ سلاحاً ونوراً نَهدي بهِ العقولَ ونحمي بهِ الحِمى.