تقول الاستاذه الدكتوره ايناس محمود استاذ الصحافة بجامعة عين شمس عند قراءة مقال للكاتب وجدى وزيرى بجريدة الجمهورية الصفحه رقم 13
أتوجه إليكم بخالص الشكر والتقدير على هذا الطرح الفكري العميق، الذي تجاوز حدود التعليق على إعادة هيكلة منظومة الدعم، لينقل النقاش من إطاره الاقتصادي إلى فضاء فكري أكثر اتساعا، مقدما رؤية متكاملة للعلاقة بين الدولة والمواطن، باعتبارها علاقة ترتكز على الوعي والمسؤولية والعدالة، لا على مجرد تبادل المنافع أو تلقي الخدمات. فلم يقف المقال عند مناقشة الدعم بوصفه أداة مالية أو سياسة اقتصادية، بل أعاد تأصيل مفهومه في ضوء فلسفة الدولة الحديثة، ومبادئ العقد الاجتماعي، باعتباره أحد مرتكزات الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
ومن أبرز ما يميز هذا الطرح نجاحه في ترسيخ مفهوم الشراكة المجتمعية بوصفه الإطار الحاكم للعلاقة بين الدولة والمواطن، بعيدا عن ثنائية الوصاية . فالإصلاح، كما يطرحه المقال، مسؤولية مشتركة تتكامل فيها الأدوار؛ إذ يقع على عاتق الدولة تطوير منظومة الدعم، وإحكام الرقابة على الأسواق، وتعزيز الحماية الاجتماعية، بينما ينهض المواطن بدور فاعل في ترشيد الاستهلاك، ومواجهة الممارسات الاحتكارية، والإسهام الإيجابي في إنجاح مسار الإصلاح، بما يجعل المواطنة ممارسة واعية تتجسد في السلوك قبل أن تكون مجرد صفة قانونية.
وتزداد قيمة المعالجة الفكرية في انتقالها من فلسفة الإعانة إلى فلسفة التمكين، وهي رؤية تنموية متقدمة تنظر إلى الدعم باعتباره وسيلة لبناء القدرات، لا غاية دائمة في حد ذاته. ومن هذا المنطلق جاءت الدعوة إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتستوعب الفئات التي أفرزتها المتغيرات الاقتصادية وموجات التضخم، في إدراك واضح بأن التحولات الاقتصادية تعيد تشكيل خريطة الاحتياج، وتفرض مراجعة مستمرة لأدوات العدالة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، يطرح المقال رؤية متقدمة لمفهوم الفقر، باعتباره ظاهرة متحركة تتبدل بتبدل الظروف الاقتصادية، وليست حالة اجتماعية ثابتة. ومن ثم، فإن كفاءة سياسات الدعم لا تتحقق من خلال قوائم جامدة، وإنما عبر منظومة مرنة قادرة على تحديث معايير الاستحقاق بصورة مستمرة، اتساقًا مع مفهوم الاستهداف الديناميكي الذي أصبح من أبرز المداخل الحديثة في إدارة برامج الحماية الاجتماعية.
ويكتسب المقال بعدا إنسانيا لافتا من خلال التفاته إلى شرائح اجتماعية لا تحظى غالبا بالقدر الكافي من الاهتمام في الخطاب الإعلامي، مثل أصحاب الأعمال الذين توقفت أنشطتهم، والموظفين الذين تراجعت القوة الشرائية لدخولهم، والأسر التي دفعتها الأوضاع الاقتصادية إلى دائرة الاحتياج. وهنا تتجلى رؤية إعلامي قدير يدرك أن الفقر ليس صفة ملازمة لفئات بعينها، بل نتيجة مباشرة لتحولات اقتصادية قد تطال شرائح جديدة، وهو ما منح الطرح حسا إنسانيا يتجاوز لغة الأرقام إلى قراءة الواقع الاجتماعي في أبعاده المختلفة.
ولم يقتصر الطرح على التشخيص، بل انتقل إلى تقديم آليات عملية للتعامل مع اختلالات السوق، حين تناول المقاطعة الطوعية للسلع المبالغ في أسعارها بوصفها أداة اقتصادية واعية، تستند إلى منطق السوق وآليات العرض والطلب، لا إلى ردود الفعل الانفعالية. وبذلك أبرز الدور الذي يمكن أن يؤديه السلوك الاستهلاكي الرشيد في إعادة التوازن للأسواق، مؤكدا أن نجاح الإصلاح الاقتصادي مسؤولية تشاركية تتجاوز حدود السياسات الحكومية.
كما اتسم المقال بتسلسل فكري محكم، انتقل بسلاسة من عرض الإشكالية إلى تفسير أبعادها، ثم تحليل آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وصولا إلى تحديد مسؤوليات مختلف الأطراف، لينتهي إلى خلاصة منطقية تؤكد أن استدامة الإصلاح الاقتصادي مرهونة بتوازن الحقوق والواجبات، وتكامل أدوار الدولة والمجتمع.
ولعل أكثر ما استوقفني في هذا المقال أنه يجسد نموذجا حقيقيا للإعلام المسؤول؛ ذلك الإعلام الذي لا يكتفي برصد الوقائع أو إثارة النقاش، بل يؤدي دوره التنويري في تفسير القضايا العامة، وتعميق الوعي المجتمعي، وصياغة خطاب متوازن يجمع بين الموضوعية والبعد الإنساني، وبين دعم جهود الدولة والحفاظ على حق المجتمع في الفهم والمشاركة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن هذا المقال يمثل نموذجا جديرا بأن يدرّس لطلاب الإعلام، لما يجمعه من عمق الفكرة، وسلامة البناء، ودقة المعالجة، واتزان الرؤية، فضلا عن كونه يقدم تطبيقا عمليا لكيفية توظيف المقال الصحفي في بناء الوعي العام، وتعزيز ثقافة المشاركة، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهي إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن ينهض بها الإعلام المسؤول.
وأخيرًا، اسمح لي أ أعتذر عن الإطالة، غير أن هذه الكلمات لم تكن سوى انعكاس لما أثاره المقال من تقدير فكري و علمي. فقد جمع بين عمق الرؤية، ورصانة التحليل، وصدق الانحياز لمصلحة الوطن والمواطن، فاستحق أن يكون أكثر من مجرد مقال رأي؛ بل مساهمة فكرية تفتح آفاقا أوسع للتأمل والحوار المسؤول، وتؤكد أن الكلمة الواعية قادرة على أن تكون شريكا حقيقيا في بناء المجتمع.