في دروب الأوطان، تُقاس عظَمة الرجال بحجم المعارك التي يخوضونها بضَمائر حيّة وخطى ثابتة، لا بحجم الهتافات التي تجاملهم. فالوطنية الحقيقية ليست ادعاءً ينشطه الوفاق وتطفئه الاختلافات، بل هي بوصلة إنسانية وفلسفية تضع رفعة الوطن ومصلحة أبنائه فوق كل اعتبار. وإن قراءة المشهد التعليمي اليوم تجعلنا نقف أمام حقيقة ساطعة: قد نختلف في بعض وجهات النظر أو الآراء الإجرائية مع معالي وزير التربية والتعليم، إلا أن المنصف لا يمكنه بأي حال أن ينكر الطفرة الجسورة والتحركات الميدانية الواثقة التي شهدتها محافظات مصر، وعلى رأسها محافظة الجيزة التي كانت تتخبط في ظلمات التراكمات المعقدة.
لقد كان قرار التحول إلى نظام “الفترة الواحدة” بمثابة اقتحام حقيقي لعش الدبابير، ومجازفة شجاعة بكسر دوائر المصالح الضيقة التي اقتطعت من مستقبل أبنائنا سنوات طويلة. لم يكن هذا العبور الميداني ليتحقق لولا وجود قيادة تنموية واعية واختيار ذكي وموفق؛ حيث استعان المعالي بتلميذ نجيب ورجل لا ينكسر أمام العواصف، وهو الأستاذ سعيد عطية، مدير مديرية التربية والتعليم بالجيزة. رجل عمل بروح الفارس الصارم الذي قطع دابر السرقة والمحسوبية، وجفف ينابيع الفساد التي كانت تقتات على بقاء التعليم متأخراً.
إن هجوم أصحاب المصالح ورعاة الصفحات المشبوهة على هؤلاء الشرفاء ليس إلا شهادة ناصعة على نجاحهم، فالأشجار المثمرة هي وحدها التي تُرمى بالحجارة. ومن يتجاهل قيمة هذا العطاء الميداني المتواصل، فإما أن يكون جاهلاً بالحقيقة أو مستفيداً من باطلٍ تم دحره.
إن الشرفاء لا ينظرون إلى الخلف، ولا تلهيهم ضوضاء المعارك الجانبية، بل يثبتون أقدامهم في أرض الميدان شاخصين بأبصارهم نحو هدف أسمى: بذور علم غُرست بكرامة، ومدارس أُعيدت إليها روح الانضباط والوطنية. فكل التحية والإجلال لفرسان التعليم الذين يبنون العقول ويصونون الأمانة.