إن بقاء الكفاءات الوطنية الاستثنائية في مواقع مسؤوليتها ليس مجرد مطلب إداري أو إجراء وظيفي عابر، بل هو ضرورة قصوى وقضية أمن قومي تمليها مصلحة الوطن وحق المواطن في الحصول على خدمة رعاية صحية تليق بكرامته. حين يتجلى العطاء في أبهى صوره، وحين يتحول الإخلاص إلى شواهد ملموسة تُغير وجه الواقع، يصبح التفريط في هذه القمم الوطنية علامة استفهام كبرى تتطلب التوقف والمراجعة.
من هنا يُوجه هذا النداء الوطني إلى معالي وزير الصحة: كيف لقيادة إدارية وطبية بحجم الدكتور منصور خليل ألا يُجدد لها بعد بلوغ سن الستين؟ إننا نتحدث عن عامين إضافيين كان يمكن استغلالهما والاستفادة من نشاط غير عادي وكفاءة نادرة نجحت في إحداث طفرة حقيقية. لقد استطاع الدكتور منصور خليل بجهده الدؤوب أن ينقل مستشفى الهرم من لا شيء إلى كل شيء. إن من يزور المستشفى اليوم بعد سنوات من الغياب لا يصدق أن هذا الصرح هو ذاته المستشفى القديم؛ لقد مثل الدولة خير تمثيل، وافتتح أقسامًا رئيسية دقيقة لم تكن لتتحقق إلا بعزيمة رجل يضع مصلحة مصر فوق كل اعتبار.
ولم يقف الإنجاز عند حدود التطوير العمراني والطبي فحسب، بل امتد لفتح مواجهات حاسمة، حيث تجرأ على اقتحام “عش الدبابير” ومحاربة صور الفساد والتربح من موارد الدولة، حاميًا للحقوق ومحافظًا على المال العام. وكان الأمل كبيرًا، لا سيما بعد صدور موافقة السيد رئيس مجلس الوزراء -والتي ربما كنتم من أعظم المؤيدين لها بعد رؤية نتائج عمله الميداني وقدرته الفائقة على إنجاز المهام الصعبة- أن يستمر هذا العطاء، خاصة وأن الأمر لم يكن مجرد تجديد روتيني بل نظام إعارة يسمح بالاستفادة المباشرة من خبراته وتفانيه.
غير أن “اللهو الخفي” وطيور الظلام التي تحارب النجاح وتخشى الشفافية كشفت عن وجهها بقرار عدم التجديد، في محاولة لإعادة العجلة إلى الخلف وإقصاء القيادات النشيطة التي أثبتت التجربة نجاحها الباهر.
إننا نناشد معالي الوزير أن يقف سدًا منيعًا أمام هذه القوى، وأن يتيح الفرصة لاستبقاء هذه القيادة التي تمثل مصر أفضل تمثيل وتُمثلكم في الميدان أصدق تمثيل. إن استغلال نشاط هذه القامات وحماية الحقوق هو الواجب الوطني الأول قبل أن تُحكم طيور الظلام سيطرتها، وقبل أن يفوت الأوان وتخسر المنظومة الصحية رمزًا من رموز الإخلاص والإنجاز.
حفظ الله مصر، وحفظ الله الوطن، ووفق قياداتنا لكل ما فيه خير هذا الشعب العظيم.