موقع جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري بقلم نجوى العشيري
وكيل اول وزارة سكرتير عام بالمعاش
كاتبة مهتمة بقضايا الادارة المحلية و التنمية و الوعي الوطني
كيف نترك الناس يحلمون بما نريد أن نحققه، ثم نبدأ بعد ذلك في البحث عن كيفية تحقيق الحلم؟
ليست المشكلة في أن نحلم، ولا في أن نطرح أفكارًا كبيرة، وإنما في أن ننتقل من الفكرة إلى التنفيذ دون أن نكون قد أعددنا الطريق الذي يقود إليها.
ومن هنا أتوقف أمام مشروع «تخضير القاهرة»؛ فالفكرة المطروحة تحمل هدفًا مهمًا، لكن قيمتها الحقيقية تظهر في قدرتنا على تحويلها إلى خطة واضحة قابلة للتنفيذ.
فالقيادة السياسية طرحت فكرة تخضير القاهرة، وتركت للحكومة مسؤولية وضع آليات التنفيذ. وهنا تبدأ مسؤولية الحكومة؛ أن تراجع الإمكانيات المتاحة، وتحدد ما يمكن إنجازه بالفعل، وكيف يمكن الحفاظ عليه، ثم تطرح أمام الناس خطة واضحة ودقيقة.
وقد شملت الخطوات المعلنة التوسع في تشجير الطرق والمحاور الرئيسية، وتحويل الأراضي الحكومية الفضاء إلى متنزهات، والاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيًا في الري.
وهنا يصبح السؤال: كيف نحول الفكرة إلى شيء يصدقه الآخرون؟
فالثقة لا تُبنى فقط بجمال الهدف، وإنما بوضوح الطريق إليه.
قبل أن نزرع.. ماذا حدث لما كان مزروعًا؟
شهدت القاهرة وغيرها من المحافظات وقائع لقطع أو إزالة أشجار في أماكن مختلفة، منها شارع جامعة الدول العربية، والميريلاند، وغيرها من أماكن نعلمها أو لا نعلمها.
وقد جاءت الإجراءات الأخيرة للتأكيد على عدم قطع أو اقتلاع الأشجار إلا وفق ضوابط وموافقات محددة، وهي خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح؛ لأن الحفاظ على الأشجار القائمة يجب أن يكون جزءًا من أي رؤية جادة لتخضير المدن.
وفي قلب الزمالك، تقف شجرة شهيرة منذ عام 1868، جُلبت من الهند بأمر الخديوي إسماعيل، وما زالت حتى اليوم جزءًا من ملامح المكان.
فهل كان من سبقونا أكثر حرصًا على قيمة الشجرة، أم أننا أصبحنا أكثر استعجالًا في تغيير المكان؟
ولعل حدائق القناطر الخيرية تقدم لنا نموذجًا أقدم؛ فقد كانت الحدائق جزءًا من تخطيط المكان، وجُلبت إليها أشجار ونباتات من مناطق مختلفة من العالم، وما زالت بعض الأشجار المعمرة شاهدة على تلك الحقبة حتى اليوم.
فالشجرة لم تكن عنصرًا عابرًا في تصميم المكان، وإنما جزءًا من هويته التي استمرت مع الزمن.
ثم يأتي السؤال الأصعب.. المياه
الاستفادة من مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيًا في ري المساحات الخضراء الجديدة توجه مهم، لكنه يحتاج إلى حساب دقيق قبل التنفيذ.
أين مصادر المياه المعالجة؟ وما طاقاتها؟ وأين شبكات نقلها؟ وما المساحات التي تستطيع خدمتها؟ وكيف نضمن استدامة التشغيل والصيانة؟
فزراعة الشجرة قرار، أما إبقاؤها حية فهو مسؤولية.
ولهذا فإن تخضير القاهرة لا ينبغي أن يُقاس بعدد الشتلات التي ستُزرع، وإنما بقدرتنا على الحفاظ عليها، وتوفير ما تحتاجه من مياه ورعاية، لتصبح جزءًا مستدامًا من المدينة.
الفكرة تستحق أن تتحول إلى واقع، والطريق إلى ذلك يبدأ من التخطيط الدقيق، وحماية ما لدينا، ومعرفة إمكانياتنا قبل أن نعلن ما نريد أن نحققه.
فلا نريد أن نترك الناس تحلم بقاهرة خضراء، ثم نبدأ بعد ذلك في البحث عن كيفية تحقيق الحلم.