جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي الي القاهرة يوم أمس الأول ، في ظل ظروف جيوسياسية بالغة الخطورة و التعقيد ، و أمام مشهد مشتعل في البحر الأحمر ، و التهديدات المباشرة عند مضيق باب المندب و مضيق هرمز ، و قد بلغت هذه التطورات العسكرية و الاقتصادية مداها ، عندما تعرض أهم مورد لتصدير البترول في المملكة العربية السعودية ، المتمثل في أهم الموارد المائية في الشمال ، مضيق هرمز و في الجنوب يوجد البحر الأحمر ، مضيق باب المندب و هي شرايين حيوية تتحكم بنسبة 33 % من حجم صادرات المملكة من البترول الي دول أوروبية و شرق آسيا ، حيث تتعرض لمخاطر و تهديدات بشكل مستمر ، مما أدي لتوقف الصادرات النفطية عبر مضيق هرمز و باب المندب ، الي جانب إرتفاع قيمة التأمين البحري علي تلك السفن ، مما أدي إلي إرتفاع قيمة النقل لهذه الحاملات من السفن الناقلة للبترول ، بشكل بات يهدد بشكل مباشر حركة النقل و تصدير البترول الي الخارج و إرتفاع سعر برميل البترول ليصل حتي الآن نسب قياسية وصلت إلي 108 دولار للبرميل قابلة للزيادة،
الأمر الذي سيؤدي مستقبلاً الي تعطيل أو تراجع حجم إنتاج البترول في المملكة إلي حدود النصف ، من عدد 11 مليون برميل يومياً الي ما يقرب من 5 الي 6 مليون برميل يومياً .
و لم يقتصر هذا التصعيد عند هذا الحد ، بل تجاوز الي حد قصف بعض المدن السعودية مثل مكة ، و المدينة ،
و أبها ، و ميناء ينبع
مما أدي هذا العدوان الغادر علي إصابة العديد من المدنيين ، مما ينذر هذا التصعيد الي تهديدات و أضرار تمس عمق السيادة الإقليمية للملكة العربية السعودية ،
و تعرض الأمن القومي للمنطقة للخطر .
لذلك تأتي هذه الزيارة في لحظات فارقة و تم وصف هذه الزيارة بأنها أهم لقاءات الرئيسين و هو يعد اللقاء الخامس في تاريخ اللقاءات .
و قد أسفرت هذه الزيارة التي أستمرت عدة ساعات عن عقد إجتماع مغلق بين سمو الأمير محمد بن سلمان و الرئيس عبد الفتاح السيسى منتهيا” الي التوافق و الإتفاق علي عدة نقاط ربما لم تعلن ، كما لم يتم عقد مؤتمر صحفي يغطي هذا الحدث الهام ، ربما لحساسية الموقف السياسي ،
و قد ختم هذا اللقاء ، ببيان رئاسي عقب هذا اللقاء ، ليؤكد عمق التوافق السياسي وضرورة تنسيق المواقف سواء السياسية و العسكرية والأمنية بين البلدين الشقيقين، كما حرص هذا البيان أن يرسل رسالة حاسمة ،
و مباشرة ، و قوية لكل الأطراف الإقليمية و الدولية أن الشراكة المصرية السعودية ليست مجرد تحالف عابر ،
بل ركيزة للأمن القومي العربي و شريان لإستقرار الملاحة و الإقتصاد العالمي ، و في نفس السياق حرص البيان الرسمي علي التأكيد بأنه قد حان الوقت، لتضافر الجهود السياسية و العسكرية معلناً ، أن أمن المملكة العربية السعودية، جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي ، و من هنا جاء التدخل المباشر للرئيس عبد الفتاح السيسى لإيجاد حلول “سياسية مباشرة ”
“لا عسكرية ”
في منطقة تمر بأكثر أوقاتها حرجا” و تعقيداً علي نحو سيعيد تشكيل خريطة المخاطر و التهديدات الأمنية و الاقتصادية.
و في وسط هذا المشهد المشتعل و المعقد تجد مصر نفسها في بؤرة الأحداث و ليس لها أي خيار الإ الوقوف خلف دولة عربية شقيقة لحماية سيادتها و أمنها القومي و الإقتصادي.
غير أن مصر و قيادتها السياسية الرشيدة لن تنجرف وراء سماع صوت دوي إطلاق النار و إستخدام مالديها من قوة عسكرية و إنما ستنصت لصوت العقل جيداً ،
و ستسير بخطي هادئة ، و عاقلة ،
و حكيمة ، و حسيسة في أرض مليئة بالرمال المتحركة ، و مفروشة بحقول الألغام ، شديدة الخطورة ، حيث تتشابك الخطوط ، و تتعارض الرؤي ،و المصالح و تتعقد خيوط الأزمة لتصبح مصر بين شقي رحي بين الإلتزام القومي تجاة الأشقاء و الضغوط الاقتصادية و التهديدات الأمنية لشريان حركة التجارة العالمية لنقل أهم الثروات و هي البترول و هو عصب الحياة الصناعية و القوي الاقتصادية للعالم و أمام تحركات الخصوم الإقليمية .
و قد توهم البعض ، أن تضرر حركة الملاحة في قناة السويس ، قد يدفع القاهرة الي الإندفاع الإستباقي و إستخدام الخيار العسكري .
و لكن سيأتي موقف مصر عكس هذا الإعتقاد تماماً فهي عقيدة قائمة علي “الصبر و التوازن الاستراتيجي” ،
و ضبط النفس لقبول التعاطي المباشر لصوت العقل خاصة أن مصر لها سبق تجربها أليمة في التواجد العسكري و المشاركة المباشرة في حرب اليمن أستمرت نحو خمس سنوات بدأت المشاركة في 28 سبتمبر 1962 بعد أن أرسل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قوات عسكرية لدعم الثورة اليمنية التي قادها السلال ضد الحكم الملكي و أنسحبت القوات المسلحة المصرية تدريجياً و بشكل كامل مما كان له عظيم التأثير السلبي في قدرات القوات المسلحة المصرية في هزيمة يونيو 1967 .
و مما يعظم من دور مصر السياسي و تأثيره الإقتصادي أن مصر قد تأثرت بالفعل في سيطرة الميلشيات الحوثية علي مدخل مضيق باب المندب مما أدي ذلك الي الإضرار بشكل مباشر علي الدخل القومي لمصر الناتج من إيرادات قناة السويس بخسائر قدرت ب 11 مليار دولار نتيجة تأثير حركة السفن العابرة من مضيق باب المندب و هي خسائر لا يحتملها إقتصاد في ظروف اقتصادية عالمية ضاغطة .
و قد رفضت مصر منذ البداية رفضاً حاسماً ، إعطاء الشرعية لقوات ميليشيات الحوثي ،
و فتح باب الإتصالات الكامل مع حركة الحوثيين ، و هو موقف يحسب لقيادة مصر ، و رؤيتها الحاسمة في منح أولوية حماية سيادة المملكة العربية السعودية و أمنها القومي ، كما ترفض مصر مبدأ المقايضة للمبادئ الثابتة و المستقرة بالمصالح الاقتصادية المؤقتة و أن أمن الأشقاء العرب في المملكة العربية السعودية و شعبها تدخل في صميم أولويات و جزء لا يتجزأ من حماية أمن و سيادة مصر و أمنها القومي علي نحو تتفادي مصر الوقوع في براثن الحرب بالوكالة أو مواجهة عسكرية محفوفة بالمخاطر قد تستمر عدة سنوات من حرب إستنزاف قد تخدم أجندات و مصالح دول أخري ” الشيطان الأعظم ” ولتشتيت قدرات و إنهاك قوة و قدرات الجيش المصري في حروب لا طائل منها فضلاً علي التأثير علي الاقتصاد الوطني المصري بل و بدون أدني مبالغة في إصابته في مقتل ، مما يعيد عجلة التنمية إلي الوراء عشرات السنوات.
كما تؤكد مصر دائما” من خلال بيانات و تصريحات رئاسية إلي أن حماية الممرات المائية التي تتحكم في حركة الملاحة و التجارة الدولية ليس “شأناً محلياً إقليمياً ” تستوجب التدخل المصري و إنما هو “شأناً دولياً “يستوجب تدخل قوي العالم أجمع.
فمصر تعرف طريقها جيداً ،و تدرك تغيير قواعد اللعبة بصورة كاملة ، بل و تعرف تتحرك علي رقعة الشطرنج كلاعب محترف مع الكبار بخطي محسوسة وبعناية فائقة وسط خريطة عالم بدأت تتغيير ، وبذلك عليها فهم أصولها ،
و تفاصيلها بكل دقة عالية.
و بناء عليه و في ضوء هذه المعطيات، أعطت القيادة السياسية الضوء الأخضر في التعامل مع هذه الأزمة و “منح صقور مصر” “المخابرات العامة المصرية” ، كافة الإجراءات و الصلاحيات اللازمة ، في ضوء الثوابت ،
و المبادئ ، و الرؤي ، و السياسات التي تتبناها مصر لتحقيق أقصي أستفادة ممكنة ، لحماية أمنها القومي ، و سيادة و حماية الأمن القومي لشقيقتها المملكة العربية السعودية ،
و الحفاظ علي الأمن القومي الأقليمي العربي.
إذن التريث ،
و العقلانية ،
و الحكمة ، و تقدير الموقف السياسي ، بحسابات بالغة الأهمية و الدقة مع النظر بعناية فائقة للعبة التوازنات ،
و منح أولوية لحماية مصلحة الوطن العليا .
و مصر لم و لن تنظر إلي المشهد الحالي كمراقب ، أو مشاهد أو إحجاما” عن الحركة أو مكتوفة اليدين ، بل انطلاقاً من إدارة عقلانية رشيدة تعرف متي و كيف تحافظ علي سيادة الدولة و تحمي أمنها القومي ، و الحفاظ علي مصالحها و المكتسبات السياسية و العسكرية و الاقتصادية ، تزامناً مع المحافظة علي إلتزاماتها تجاه الأمن القومي لأشقائها و مصالح شعوبها.