في لحظة فارقة من عمر الوطن، ومن داخل مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة ذلك الصرح الذي يجسد انتقال مصر من ضيق التحديات إلى رحابة المستقبل ترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتماعًا موسعًا ضم قيادات الدولة ومؤسساتها، وصولاً إلى العمد والمشايخ في قري مصر ونجوعها. لم يكن هذا اللقاء مجرد اجتماع بروتوكولي أو عرض تنفيذي، بل كان خريطة طريق فكرية وسياسية تصيغ عقيدة البقاء وتجدد العهد بين القيادة والشعب.
فلسفة الوعي: حائط الصد الأول
حين يقرأ المرء ما بين سطور هذا اللقاء الشامل، يدرك على الفور أن الرهان الأكبر للدولة المصرية كان وسيظل قائمًا على “وعي المواطن”. إن الإشارة إلى التكلفة الباهظة التي دفعها الوطن جراء أحداث 2011-2013، وما ترتب عليها من انكماش اقتصادي وتأخير لمشاريع التنمية — ومنها الملف المائي واستغلال غياب الدولة حينها ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي جرس إنذار واعٍ لترسيخ مفهوم “الجبهة الداخلية المتماسكة”. لقد أكد الرئيس أن استدراج الشعوب لتدمير أوطانها بأيديها هو أقل الأدوات تكلفة في حروب الجيل الحديث، ومن هنا يصبح الوعي والتلاحم الشعبي هما السلاح الأكثر فاعلية لإحباط استراتيجيات اليأس والاغتيال المعنوي للمؤسسات.
أبعاد الأمن القومي وثوابت السياسة الخارجية
بين سطور حديث الرئيس ظهرت الرؤية المصرية الشاملة للأمن القومي؛ فالاستقرار الداخلي يرتبط بعلاقة طردية مع محيط إقليمي يموج بالاضطرابات. أثبتت مصر مجددًا ثبات مواقفها الاستراتيجية: فالسلَام خيار استراتيجي أرساه البطل الشهيد أنور السادات، والقضية الفلسطينية هي القطب الفكري والسياسي الذي لا يحيد عنه الموقف المصري، وحل الدولتين هو السبيل الوحيد لإقرار السلام.
وفي ملف المياه، جاءت الرسالة قاطعة وبليغة: تفسح مصر المجال كاملاً للدبلوماسية والحلول السلمية، لكن دون الإضرار بحق مصر الأصيل في الحياة والوجود. كما أظهر التحليل الدقيق للخسائر الناتجة عن تراجع عوائد قناة السويس (نحو 20 مليار دولار) حجم الصدمات الخارجية المتتالية التي تحملها الاقتصاد المصري منذ كورونا وصولاً إلى حرب غزة واضطرابات الملاحة، مما يفسر للمواطن طبيعة الضغوط الاقتصادات العالمية والإقليمية على حياته اليومية.
من القرية إلى العاصمة: بناء الإنسان الشامل
تجلى البعد الإنساني والوطني في احتضان نموذج “عمدة قرية السرارية” بالمنيا، ليرسل الاجتماع رسالة واضحة مفادها أن مواجهة الشائعات وبناء الوطن ينبعان من القاعدة الشعبية والعمل الميداني الصادق. إن إشراك العمد والمشايخ، جنباً إلى جنب مع الوزراء وقادة المؤسسات الأمنية والعسكرية، يكرس مفهوم المسؤولية الجماعية؛ فبناء الدولة ليس مهمة الحكومة وحدها، بل هو نتاج تظافر أئمة الأوقاف، والقساوسة، والمدارس، والأسر.
ولم يغفل الاجتماع رؤية المستقبل؛ إذ جاء الحوار التفاعلي مع طلبة الأكاديمية العسكرية حول الذكاء الاصطناعي وجدارات التعليم، والتوجيه بحسن معاملة المواطنين وترشيد أعباء الخدمات، ليؤكد أن بناء الإنسان وتطوير أدوات الدولة هما الجوهر الحقيقي للجمهورية الجديدة.
إن اجتماع العاصمة الاستراتيجية لم يكن مجرد استعراض لإنجازات عقد مضى، بل كان إعلان تجديد للثقة في قدرة هذا الشعب ومؤسساته العريقة على عبور الصعاب، وتحويل الموارد إلى طاقات بناء، والعبور بمصر نحو مستقبل يليق بتاريخها وتضحيات أبنائها.