جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
في المرة الأولى التي وقفت فيها ، متحدثةً في هذه المناسبة، حضرتني أغنية فيروز:
«تعا تنتخبى من درب الأعمار».
يومها راقت لي فكرة أن نهرب من العمر، وأن نبقى صغارًا، وكأن السنوات عبء نخشى أن يلحق بنا.
أما اليوم، فلن نهرب من درب الأعمار، ولن نختبئ منه؛ لأن العمر منحة من الخالق، وكل سنة نعيشها هي هدية ثمينة، تحمل معها تجربةً جديدة، وذكرى جميلة، وحكمة لا تمنحها لنا إلا الأيام.
واليوم، أحمل إليكم أجمل البشائر مما توصّل إليه العلم والطب الحديث؛ فقد بدأت تتراجع الأفكار القديمة المتشائمة التي كانت تربط التقدم في العمر بالعجز الحتمي، لتحل محلها نظرة أكثر إنصافًا وتفاؤلًا.
فالشيخوخة ليست مرضًا، والعمر ليس حكمًا بالعجز.
لقد أثبت العلم أن الدماغ لا يفقِد قدرتَه على التعلّم والتغيير، وإن أصبح تعلّمُه أبطأَ في بعض الأحيان. كما أثبت أن العضلات تستطيع أن تقوى وتنمو بعد السبعين والثمانين، وأن الدماغ والعضلة يتحسنان معًا عندما نتحرك ونتدرّب ونواصل المشاركة في الحياة.
وأصبحنا نعلم أن الضَعفَ والهشاشة ليسا دائمًا طريقًا باتجاه واحد؛ فكثيرٌ مما نظنه نتيجةً حتميةً للعمر قد يكون سببُه قلةَ الحركة، أو سوءَ التغذية، أو العُزلة، أو مرضًا يمكن علاجُه.
كما أصبحت الوقاية من الخرف أو الألزهايمر أكثر واقعية، وأثبتت الدراسات أن التأهيل بعد المرض أو الجراحة أو السقوط لا يتوقف عند عمر معين؛ فالإنسان، مهما تقدم به العمر، يستطيع أن يستعيد جانبًا من قوته وحركته واستقلاله، إذا وجد الرعاية والتدريب والتشجيع.
أما الوصفة الأقوى، فليست دواءً سحريًا، ولا علاجًا باهظ الثمن.
إنها كلمات بسيطة، ولكن أثرها عظيم:
الحركة…
والغذاء الجيد…
والتأهيل…
والعناية والمتابعة الطبية…
والصحة النفسية…
والعلاقات الاجتماعية…
وفوق كل ذلك: المحبة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن أي مقدار من الحركة أفضل من عدم الحركة، وأن تقوية العضلات مهمةٌ في كل عمر.
لذلك، نريد أن ننتقل معًا من الرعاية السلبية إلى المشاركة والتدريب والاستقلال؛ من الجلوس الطويل إلى الحركة، ومن العزلة إلى الصحبة، ومن انتظار الأيام إلى صناعتها.
نشجع المشي والرياضة المناسبة واليوغا، ونعمل على تقوية العلاقات بين أهل الدار، وننظّم الرحلات والنشاطات، ونفتح المجال للقراءة والرسم والموسيقا والألعاب الذهنية والمناسبات الترفيهية.
فنحن لا نريد أن نضيف أيامًا إلى العمر فحسب، بل أن نضيف حياةً إلى هذه الأيام.
و أن لا نرى أمامنا أرقامًا في السجلات، ولا أعمارًا تُقاس بعدد السنوات؛ بل نرى تجارب إنسانية غنية، وطاقات لا تزال قادرة على العطاء، وعقولًا قادرة على التعلم، وقلوبًا ما زالت تحب وتحلم وتفرح.
فلنمضِ معًا في درب الأعمار، لا خائفين منه ولا مختبئين، بل رافعي الرأس، ممتنين لكل يوم، ومؤمنين بأن لكل مرحلة من مراحل الحياة جمالها وقيمتها ورسالتها.
أنتم لستم ضيوفًا على الحياة، بل شركاء فيها؛ ولكم فيها مكانكم، ودوركم، وحقكم الكامل في الفرح والكرامة والاستقلال.