جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
بقلمي / نجوى العشيري
وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش
كاتبة مهتمة بقضايا الادارة المحلية و التنمية والوعي الوطني
لم تكن حرب أكتوبر معركة بين جيشين فوق الأرض فقط، وإنما كانت أيضًا معركة عقول.
ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تستعد للعبور، كان هناك عدو آخر غير الجنود والدبابات والطائرات: التنصت.
كان العدو يحاول أن يعرف ماذا يجري داخل القوات المصرية، وما الذي تستعد له، وأي إشارة يمكن أن تكشف شيئًا من الخطة.
وكانت الاتصالات واحدة من أخطر نقاط هذه المعركة.
فالكلمة التي تصل إلى الطرف الآخر قد تكشف موعدًا أو اتجاهًا أو أمرًا، ولهذا لم يكن السؤال فقط: ماذا نقول؟ وإنما كان السؤال الأهم: كيف نقول ما نريد دون أن يفهمه من يتنصت علينا؟
وهنا جاءت فكرة استخدام اللغة النوبية.
ترتبط هذه الفكرة بالصول أحمد محمد أحمد إدريس، أحد أبناء النوبة، الذي اقترح الاستعانة بلغته في الاتصالات العسكرية، باعتبارها لغة لا يعرفها نطاق واسع من خارج المتحدثين بها.
الفكرة في ظاهرها بسيطة.
لكن بساطتها هي التي تجعلها لافتة.
فبدلًا من البحث عن وسيلة معقدة، جرى الاستفادة من لغة موجودة بالفعل بين المصريين، وتحويل بعض مفرداتها إلى دلالات متفق عليها داخل الاتصالات العسكرية.
وتذكر الروايات أن من بين الكلمات المستخدمة كلمة «أوشريا»، التي ارتبطت بمعنى «اضرب».
وهكذا كان من يتنصت يسمع كلمات يعرف أنها تُقال، لكنه لا يملك مفتاحها العسكري.
لم تكن اللغة النوبية هي خطة الحرب، ولم يكن استخدامها وحده هو سر الانتصار، وإنما كانت واحدة من الوسائل التي خدمت منظومة أكبر من الخداع والتمويه وحماية الاتصالات.
وهنا تكمن قيمة الحكاية.
فوراء كل معلومة عسكرية هناك عقل يبحث عن طريقة لحمايتها، ووراء كل وسيلة ناجحة شخص امتلك معرفة يمكن أن تبدو عادية في الحياة اليومية، لكنها تصبح ذات قيمة كبيرة عندما توضع في المكان المناسب.
الصول أحمد إدريس كان يعرف لغته.
والقيادة كانت تبحث عن وسيلة آمنة للاتصال.
فالتقت المعرفة بالحاجة، وتحولت لغة من لغات مصر إلى جزء من أدوات المعركة.
وربما لهذا تحمل الحكاية معنى يتجاوز تفاصيلها العسكرية.
فالنوبة لم تكن يومًا هامشًا في المشهد المصري، وإنما جزء أصيل من تكوين مصر.
وفي أكتوبر ظهرت هذه الحقيقة في صورة مختلفة؛ فالكلمات التي عاش بها أبناء النوبة حياتهم، وانتقلت بينهم عبر الأجيال، وجدت طريقها إلى اتصالات الجيش المصري في لحظة كانت فيها كل كلمة محسوبة.
وهذا يجعلنا ننظر إلى التنوع المصري من زاوية أخرى.
فما يبدو في الحياة العادية اختلافًا في اللهجة أو الثقافة أو العادات، يمكن في لحظة تاريخية أن يتحول إلى مصدر قوة، إذا عرفنا كيف نكتشف قيمته ونستخدمه.
ولعل هذا هو الدرس الأهم في القصة.
الذكاء ليس دائمًا في اختراع شيء جديد، وإنما أحيانًا في اكتشاف قيمة شيء موجود بين أيدينا.
وهذا بالضبط ما يجعل حكاية اللغة النوبية واحدة من الحكايات الصغيرة التي بقيت في ظل الحكاية الكبرى لانتصار أكتوبر.
حكاية جندي عرف أن لغته يمكن أن تكون مفيدة.
وقيادة عرفت أن تستفيد من تلك المعرفة.
وجيش كان يعرف أن المعركة لا تبدأ عندما تُطلق أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير؛ في التخطيط، وفي المعلومات، وفي حماية ما يجب أن يبقى سرًا.
ومن بين هذه الوسائل بقيت حكاية لغة مصرية حملها أبناء النوبة معهم إلى قلب المعركة، لتصبح كلماتها جزءًا من اتصالات الجيش المصري في لحظة كان فيها كل حرف محسوبًا.
وربما لهذا أحب هذه الحكاية تحديدًا من بين حكايات أكتوبر.
لأنها تذكرنا بأن الانتصارات الكبيرة لا تصنعها دائمًا الأشياء الكبيرة.
أحيانًا تصنعها فكرة صغيرة في عقل إنسان، تجد من يعرف قيمتها في الوقت المناسب.
ففي أكتوبر، لم تستخدم مصر ما لديها من سلاح فقط، بل استخدمت ما لديها من معرفة.