جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
الحلقة الأولى: كوريا الجنوبية.. حكاية نهضة لم تأتِ من فراغ
من آثار الحرب إلى الصناعة والتنمية وتحديات المستقبل
بقلم نجوى العشيري
لم تكن كوريا الجنوبية، بعد انتهاء الحرب الكورية عام 1953، هي الدولة التي نراها اليوم. فقد خرجت من الحرب تعاني الدمار والفقر، وواجهت تحديًا كبيرًا لإعادة بناء ما تهدم، وتوفير احتياجات شعبها، وفتح الطريق أمام مستقبل مختلف.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد إعادة إعمار، بل تحول تدريجي في طريقة إدارة الاقتصاد وتحديد الأولويات، نقل البلاد من محدودية الإمكانات إلى واحدة من الاقتصادات الصناعية المتقدمة.
ومع بداية الستينيات، اتجهت الدولة إلى وضع خطط اقتصادية تستهدف توسيع الإنتاج، ودعم الصناعة، وتشجيع التصدير. ولم يكن الهدف مجرد زيادة عدد المصانع، بل بناء قاعدة إنتاجية تستطيع أن تنمو وتنافس في الأسواق العالمية.
ومع الوقت، تطورت الصناعات الكورية من منتجات بسيطة إلى السفن والسيارات والأجهزة الإلكترونية، وصولًا إلى موقع متقدم في صناعة أشباه الموصلات، وهي مكونات أساسية في كثير من الأجهزة والتقنيات الحديثة. وساعد على هذا التحول اكتساب الخبرات وتطوير التكنولوجيا، إلى جانب الاهتمام بالتعليم والتدريب وإعداد الكوادر التي تحتاج إليها الصناعة.
لكن كيف استطاعت دولة محدودة الإمكانات أن توفر الموارد اللازمة لهذه الرحلة؟
لم تبدأ كوريا الجنوبية رحلة التنمية بمواردها المحلية وحدها؛ فقد استعانت في مراحل مبكرة بالمساعدات والتمويل الخارجي، وحصلت على تمويل من البنك الدولي لمشروعات في السكك الحديدية والطرق والري والمدارس والجامعات. ومع نمو اقتصادها، توسعت في التصنيع وتطوير مهارات العاملين والبحث العلمي.
وهنا تبرز محطة لافتة في الحكاية: انتقلت كوريا الجنوبية من دولة تستفيد من التمويل التنموي إلى دولة تساهم فيه، وأصبحت لاحقًا من الدول التي تقدم المساعدات التنموية لبلدان أخرى.
(المصدر: البنك الدولي).
لم يكن التمويل، في حد ذاته، هو الذي صنع هذه الرحلة؛ فقد اكتسب أهميته من ارتباطه بمشروعات تسهم في بناء البنية الأساسية وتطوير الاقتصاد. وتكشف التجربة أن الموارد الخارجية يمكن أن تكون جزءًا من مسار التنمية، بينما يتوقف أثرها على كيفية توظيفها، وما تتركه من قدرات وخبرات تستطيع الاستمرار والنمو.
لكن قصة النهضة الكورية لا تنتهي عند قوة الصناعة أو اتساع الاقتصاد؛ فمع تسارع النمو، تركز جانب كبير من السكان والأنشطة الاقتصادية والفرص في العاصمة سيول ومحيطها، بينما واجهت مناطق أخرى صعوبات في جذب الاستثمارات والاحتفاظ بالشباب وتوفير فرص مماثلة.
ولمواجهة هذا التفاوت، اتجهت الحكومة إلى تشجيع التنمية خارج العاصمة، ومن خطواتها إنشاء مدينة سيجونغ الإدارية ونقل مؤسسات حكومية إلى مدن أخرى. ومع ذلك، ما زال التفاوت الإقليمي تحديًا قائمًا؛ لأن نقل المؤسسات وحده لا يكفي، فالمناطق تحتاج أيضًا إلى فرص عمل وخدمات جيدة وتعليم ومواصلات تساعد الناس على الاستقرار وبناء مستقبلهم.
(المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية).
وهنا نكتشف جانبًا مهمًا من التجربة الكورية: قد تنجح الدولة في بناء اقتصاد قوي، لكن تحقيق التنمية المتوازنة يظل رحلة أخرى تحتاج إلى تخطيط مستمر، حتى لا تتركز فرص التقدم في منطقة دون غيرها.
لم تأتِ نهضة كوريا الجنوبية من قرار واحد أو سبب منفرد، بل تشكلت عبر سنوات من التحولات الاقتصادية، وتطوير الصناعة والمهارات، والاستفادة من الموارد المتاحة، مع استمرار مواجهة تحديات لم تنتهِ بمجرد تحقيق النمو.
وتبقى قيمة هذه التجربة في أنها تذكّرنا بأن النهضة لا تُقاس فقط بما تصل إليه الدولة من قوة اقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على مواصلة التطور، وتوسيع الفرص، وتحويل ما تحققه اليوم إلى أساس أقوى للغد.
فالتنمية ليست لحظة وصول، بل رحلة لا تتوقف ما دامت هناك فرص يمكن صنعها، وتحديات تستحق المواجهة.
فالنهضة لا تُصنع بما تملكه الدول في بداياتها فقط، بل بما تستطيع أن تبنيه بما لديها، وما تتعلمه في الطريق، وما تواصل تطويره بعد كل نجاح.