موقع جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة وجدى وزيري
كتبت / نجوى العشيري
كيف تستطيع دولة محدودة المساحة والموارد الطبيعية أن تتحول، خلال عقود قليلة، إلى مركز اقتصادي عالمي؟ وهل تصنع النهضة وفرة الإمكانيات، أم تبدأ من الطريقة التي تدير بها الدولة ما تملكه من إمكانيات؟
تأخذنا الحلقة الثانية من سلسلة «من آسيا إلى مصر» إلى سنغافورة، تلك الدولة التي لم تكن بدايتها توحي بما وصلت إليه اليوم. فعندما استقلت عام 1965، كانت تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية صعبة، وسوقًا محدودة، وحاجة ملحة إلى توفير فرص العمل وبناء اقتصاد قادر على الاستمرار.
لكن التحدي لم يتحول إلى مبرر للانتظار، بل أصبح دافعًا للبحث عن طريق مختلف.
أولًا: الإنسان هو نقطة البداية
أدركت سنغافورة أن ما تفتقده من موارد طبيعية يمكن تعويض جانب منه بالاستثمار في الإنسان؛ فاهتمت بالتعليم والتدريب الفني، وربطت تأهيل الشباب باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
ومع تغير طبيعة الاقتصاد العالمي، تطورت سياسات التعليم والتدريب لتواكب متطلبات الصناعة والتكنولوجيا والمعرفة. فلم يكن الهدف مجرد تخريج أعداد كبيرة من الطلاب، وإنما إعداد أشخاص يمتلكون المهارات التي يحتاجها المجتمع في كل مرحلة من مراحل تطوره.
وهنا يظهر درس مهم: التعليم لا ينفصل عن التنمية، ولا يكفي أن نفتح أبواب المدارس والجامعات ما لم نربط ما يتعلمه الإنسان بقدرته على الإنتاج والابتكار والمشاركة في بناء وطنه.
ثانيًا: الإدارة التي تحوّل الخطط إلى واقع
لم يكن التعليم وحده وراء التجربة السنغافورية؛ فقد صاحبه توجه نحو بناء مؤسسات قادرة على تنفيذ الخطط، وتطوير البنية الأساسية، وجذب الاستثمارات، وتهيئة بيئة أكثر وضوحًا واستقرارًا للأعمال.
واستطاعت الدولة أن تستفيد من موقعها التجاري، وأن تنتقل تدريجيًا من الاعتماد على دورها كميناء ومركز للتجارة إلى التصنيع والخدمات والأنشطة القائمة على المعرفة.
وهنا تبرز قيمة الإدارة؛ فالفكرة مهما كانت جيدة تظل محدودة الأثر إذا لم تجد مؤسسات تستطيع تنفيذها، وتنسيق الجهود حولها، ومتابعة النتائج، وتصحيح المسار عند الحاجة.
فالتنمية ليست مجرد مشروعات تُقام، وإنما منظومة متكاملة تتعاون فيها المؤسسات، وتتحدد فيها المسؤوليات، ويُقاس فيها النجاح بما يتحقق على أرض الواقع.
ثالثًا: النجاح لا يتوقف عند ما تحقق بالأمس
لم تتعامل سنغافورة مع ما أنجزته باعتباره نهاية الطريق. فمع تغير الاقتصاد العالمي، اتجهت إلى تطوير المهارات، والتوسع في الأنشطة المعرفية والتكنولوجية، وتشجيع التعلم المستمر لمواجهة احتياجات سوق العمل المتغيرة.
وهذه نقطة تستحق التأمل؛ لأن الدولة التي تنجح في مرحلة معينة لا تضمن استمرار نجاحها بالوسائل نفسها إلى الأبد. فكل مرحلة لها تحدياتها، وكل جيل يحتاج إلى أدوات تناسب عصره.
ومع ذلك، فإن التجربة ليست بلا تحديات؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وتغير احتياجات سوق العمل، وشيخوخة السكان، كلها قضايا تواجه سنغافورة اليوم. وهذا يذكرنا بأن النهضة ليست صورة مثالية خالية من المشكلات، بل قدرة مستمرة على التعامل معها.
وماذا عن مصر؟
حين ننظر إلى التجربة السنغافورية، لا ينبغي أن نسأل: كيف نصبح نسخة منها؟ فلكل دولة ظروفها، وحجمها، ومواردها، وتحدياتها. لكن من حقنا أن نتساءل عما يمكن أن نتعلمه من طريقة تعاملها مع التحديات.
لدينا في مصر موارد بشرية كبيرة، وموقع جغرافي مهم، ومؤسسات تعليمية، وقدرات وخبرات متنوعة. والتحدي هو كيف تتكامل هذه العناصر في مشروع تنموي يجعل التعليم أكثر ارتباطًا بالإنتاج، والتدريب أكثر اتصالًا باحتياجات سوق العمل، والإدارة أكثر قدرة على تحويل الخطط إلى نتائج يشعر بها المواطن.
كما أن نجاح أي تجربة تنموية لا يُقاس بحجم المشروعات وحده، بل بقدرتها على خلق فرص عمل منتجة، وتحسين الخدمات، وتوسيع فرص التقدم، ورفع كفاءة استخدام الموارد.
ومن واقع خبرتي في الإدارة المحلية، أرى أن جزءًا مهمًا من هذه المعادلة يبدأ من الإدارة نفسها؛ من وضوح المسؤولية، وحسن استثمار الإمكانات المتاحة، والتنسيق بين الجهات، ومتابعة ما يحدث على أرض الواقع. فالمواطن لا يتعامل مع الخطط المكتوبة بقدر ما يتعامل مع نتائجها في حياته اليومية.
وفي هذا السياق، تقدم سنغافورة تجربة تستحق التأمل في تنسيق الخدمات البلدية بين الجهات الحكومية، ومتابعة شكاوى السكان واحتياجاتهم. ومع اختلاف طبيعة الدولة ونظام الإدارة المحلية فيها عن مصر، تظل الفكرة المهمة هي ألا يُترك المواطن وحده في البحث عن الجهة المسؤولة، وأن تتكامل المؤسسات حتى تصل الخدمة إليه بكفاءة.
كلمة أخيرة
تقول لنا حكاية سنغافورة إن محدودية الموارد قد تفرض تحديات صعبة، لكنها لا تعني استحالة التقدم. وإن بناء الإنسان، وكفاءة المؤسسات، والقدرة على التعلم والتطوير، عناصر يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا في مسيرة الدول.
ولعل أهم ما نخرج به من هذه التجربة أن النهضة لا تبدأ عندما نمتلك كل شيء، بل عندما نحسن استخدام ما نمتلكه، ونعرف ما نحتاج إلى تطويره، ونضع الإنسان في قلب كل خطة.
فالدول لا تصنع مستقبلها بما تملكه من إمكانات فحسب، بل بما تملكه من قدرة على تحويل هذه الإمكانات إلى فرص حقيقية للناس.
⸻
المصادر
* البنك الدولي: التجربة التنموية في سنغافورة.
* الموقع الحكومي السنغافوري SG101: خطة التنمية 1965–1970.
* صندوق النقد الدولي: استراتيجية التنمية في سنغافورة.
* المكتبة الوطنية في سنغافورة: تطور التعليم.
* مكتب الخدمات البلدية في سنغافوش١رة (OneService): تنسيق الخدمات البلدية.
* مركز المدن الصالحة للعيش في سنغافورة: تجربة مكتب الخدمات البلدية.