جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة وجدى وزيري
بقلمي / نجوى العشيري
لم تولد النهضة الماليزية في يوم وليلة، ولم تكن الموارد وحدها كافية لصناعة تحولها. فمنذ استقلالها عام 1957، بدأت ماليزيا رحلة طويلة لتغيير هيكل اقتصادها، فانتقلت تدريجيًا من الاعتماد على الزراعة والمواد الخام إلى توسيع قاعدة الصناعة والتصدير، مستفيدة من الاستثمار في الإنسان والانفتاح على الأسواق العالمية، وهو ما تؤكده تقارير البنك الدولي عن مسيرة التنمية الماليزية.
لكن قيمة التجربة لا تكمن في حجم ما حققته ماليزيا فحسب، بل في الطريقة التي تعاملت بها مع التنمية؛ فالموارد يمكن أن تمنح الدولة بداية، أما تحويلها إلى إنتاج وفرص عمل وقدرات مستدامة، فيحتاج إلى رؤية وتخطيط واستمرار في التطوير.
ولم يكن هذا التحول وليد قرار واحد، بل جاء نتيجة خطط تنموية متتابعة، سعت إلى تنويع الاقتصاد، وتطوير الصناعة، ورفع جودة الإنتاج، وتعزيز القدرة على المنافسة. فالتنمية الحقيقية لا تعني زيادة الإنتاج وحدها، بل تعني أيضًا بناء قدرات وطنية تستطيع مواصلة التطور، وتوفير فرص عمل أكثر إنتاجية، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال القادمة.
وهنا يبرز جانب آخر يستحق التأمل؛ فالتخطيط للتنمية لا يتوقف عند وضع الأهداف على المستوى الوطني، بل يحتاج إلى إدارة قادرة على تحويلها إلى واقع في مختلف المناطق. فالمصنع الذي يُقام في منطقة ما لا يحتاج إلى قرار استثماري فقط، بل يحتاج إلى طرق ومرافق وخدمات، وعمالة مدربة، وإدارة تستطيع التعامل مع احتياجاته ومشكلاته.
ومن هنا تأتي أهمية الإدارة المحلية؛ فهي الأقرب إلى معرفة إمكانات المناطق واحتياجاتها، والأقدر على رصد ما ينقصها من خدمات وبنية أساسية، والمساهمة في تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار. وقد أكدت الخطط التنموية الماليزية أهمية تطوير أداء السلطات المحلية، وتحسين الخدمات والبنية الأساسية، ودعم التنمية الاقتصادية في المناطق المختلفة.
وعندما تتكامل أدوار الحكومة المركزية والإدارة المحلية والقطاع الخاص، تصبح التنمية أكثر ارتباطًا بواقع الناس، وأكثر قدرة على الاستمرار.
ومن ماليزيا نعود إلى مصر. لدينا مناطق تتفاوت في مواردها وإمكاناتها؛ فهناك مناطق زراعية، وأخرى صناعية، ومناطق تملك مقومات سياحية أو لوجستية، فضلًا عن طاقات بشرية تحتاج إلى التدريب والفرص المناسبة. والتحدي ليس في وجود هذه الإمكانات وحدها، بل في حسن توظيفها، وربط خطط التنمية باحتياجات كل منطقة، وتنسيق الجهود بين الجهات المعنية حتى لا تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى.
وهنا تظهر أهمية إصلاح نظام الإدارة المحلية؛ فالمحليات ليست مجرد جهة لتقديم الخدمات اليومية، وإنما يمكن أن تكون شريكًا أساسيًا في تحديد الأولويات، ودعم الاستثمار، ومتابعة تنفيذ المشروعات، والحفاظ على ما يتحقق من إنجازات. فالمشروعات تبني، لكن المؤسسات القادرة على إدارتها وصيانتها هي التي تساعد على استمرار أثرها.
وليس المطلوب أن نستنسخ التجربة الماليزية، فلكل دولة ظروفها وتحدياتها، وإنما أن نتأمل كيف يمكن للرؤية طويلة المدى، وتطوير الإنسان، وتنويع الاقتصاد، والتكامل بين مستويات الإدارة، أن تتحول إلى أدوات عملية للتنمية.
ومن آسيا إلى مصر، نتعلم أن التنمية لا تتحقق بالخطط وحدها، بل بتكامل الجهود، وكفاءة المؤسسات، وإدارة محلية تعرف إمكانات مناطقها واحتياجاتها، وتستطيع تحويلها إلى فرص حقيقية للإنتاج والعمل.
فالتخطيط يرسم الطريق، لكن الإدارة القادرة هي التي تحوّل الرؤية إلى واقع يلمسه المواطن.