جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة وجدى وزيري
بقلمي / نجوى العشيري
ليست كل الدول التي تمتلك ثروات طبيعية قادرة على تحويلها إلى قوة اقتصادية، فكم من دولة تملك من الموارد ما يؤهلها للثراء، لكنها تظل أسيرة تصدير ما لديها من خامات، دون أن تمتلك نصيبًا حقيقيًا من القيمة التي يمكن أن تصنعها هذه الموارد.
وهنا تبدو التجربة الإندونيسية جديرة بالتأمل؛ فإندونيسيا، بما تمتلكه من ثروات طبيعية وموقع جغرافي مهم وسوق سكانية واسعة، أدركت أن المستقبل لا تصنعه الموارد وحدها، وإنما القدرة على إدارتها واستثمارها وتحويلها إلى إنتاج وصناعة وفرص عمل.
فبدلًا من الاكتفاء بتصدير بعض ثرواتها المعدنية في صورتها الخام، اتجهت إلى التوسع في التصنيع المحلي، ومن أبرز الأمثلة على ذلك صناعة النيكل، حيث عملت على جذب الاستثمارات لإنشاء صناعات مرتبطة بمعالجة الخام وإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة، وهو ما يفتح المجال أمام بناء قاعدة صناعية أوسع، بدلًا من الاكتفاء بعائد بيع المادة الخام.
لكن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في زيادة الإنتاج وحدها، بل في تغيير طريقة التفكير الاقتصادي: كيف تتحول الثروة من مورد يُستخرج ويُباع إلى سلسلة إنتاج توفر فرصًا للعمل، وتجذب التكنولوجيا والاستثمار، وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على المنافسة؟
وتكشف أرقام الاستثمار الإندونيسية في النصف الأول من عام 2026 عن استمرار التوسع في الصناعات التحويلية، بما فيها الصناعات القائمة على المعادن والموارد الطبيعية. ومع ذلك، لا تزال أمام التجربة تحديات تتعلق بتوزيع عوائد التنمية، ورفع كفاءة الصناعة، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.
وهنا نلمس درسًا مهمًا: ليس كافيًا أن نمتلك الثروة، ولا أن نبدأ مشروعًا صناعيًا، وإنما أن نمتلك رؤية تربط بين استخراج الموارد وتصنيعها، وبين الصناعة والتعليم والتكنولوجيا، وبين فرص الاستثمار وتحسين حياة الناس.
ولعل ما يلفت الانتباه في التجربة الإندونيسية أيضًا هو أن التنمية لا يمكن أن تسير بإيقاع واحد في دولة مترامية الأطراف، تتكون من آلاف الجزر وتتباين ظروف مناطقها. فنجاح التنمية يتطلب أن تصل ثمارها إلى مختلف الأقاليم، وأن تكون الإدارة قادرة على فهم احتياجات كل منطقة، والاستفادة من إمكاناتها، وربطها بخطة التنمية الوطنية.
ومن هنا تكتسب الإدارة المحلية أهمية خاصة؛ فالتنمية لا تُقاس بما يتحقق في العاصمة أو المدن الكبرى فقط، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المناطق المختلفة، وتحويل مواردها وطاقات أبنائها إلى فرص حقيقية.
ولم تكن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إندونيسيا في أكتوبر 2026 مجرد محطة في مسار العلاقات بين البلدين، بل جاءت فرصة لتعزيز الشراكة وفتح مجالات للتعاون في الاستثمار والصناعة والزراعة والبحرية وغيرها من المجالات. ومن بين ما يستحق الاهتمام في هذا السياق فرص التعاون في إنتاج وتوزيع زيت النخيل ومشتقاته، والأسمدة الفوسفاتية، إلى جانب مجالات البنية التحتية والطاقة واللوجستيات.
وهي مجالات تتيح لنا أن ننظر إلى العلاقة بين البلدين باعتبارها فرصة لتبادل الخبرات وبناء مصالح اقتصادية مشتركة، لا مجرد اتفاقيات تُعلن ثم تُترك دون متابعة.
فالتجربة الإندونيسية، مثل غيرها من التجارب التي توقفنا أمامها في رحلتنا الآسيوية، تذكرنا بأن التنمية قرار يتجاوز حدود الإمكانات المتاحة، ويبدأ من حسن توظيفها.
من تجارب آسيا إلى مصر.. ماذا نتعلم؟
على امتداد هذه الرحلة، لم نكن نبحث عن دول متشابهة في ظروفها، ولا عن وصفة واحدة تصلح للجميع، بل كنا نحاول أن نفهم كيف استطاعت كل دولة أن تجد طريقها، وأن تحول تحدياتها إلى نقطة انطلاق.
في كوريا الجنوبية، رأينا كيف يمكن لدولة خرجت من آثار الحرب أن تبني نهضتها بالاستثمار في التعليم والصناعة والتكنولوجيا، وبالانتقال المتدرج من اقتصاد محدود الإمكانات إلى اقتصاد منتج ومبتكر.
وفي سنغافورة، تعلمنا أن ضيق المساحة ومحدودية الموارد لا يمنعان صناعة النهضة، عندما تصبح كفاءة الإدارة والاستثمار في الإنسان وحسن التخطيط عناصر أساسية في بناء الدولة.
أما ماليزيا، فقد قدمت لنا درسًا في أهمية التخطيط طويل المدى، وتنويع الاقتصاد، والانتقال من الاعتماد على الموارد إلى توسيع القاعدة الإنتاجية والصناعية.
وتأتي إندونيسيا لتضيف بُعدًا آخر؛ وهو أن امتلاك الموارد لا يكفي، ما لم تتحول إلى صناعة وقيمة مضافة، وأن اتساع الدولة وتنوع أقاليمها يفرضان إدارة قادرة على تحقيق التنمية بصورة أكثر توازنًا.
قد تختلف نقطة البداية من دولة إلى أخرى، وقد تتباين الموارد والظروف والتحديات، لكن هناك خيطًا مشتركًا يجمع هذه التجارب: لم تنتظر هذه الدول أن تتغير ظروفها حتى تبدأ، بل عملت على تغيير واقعها بحسن إدارة ما تملك، والاستثمار في الإنسان، والتخطيط للمستقبل.
وهنا نعود إلى مصر.
فمصر ليست نسخة من كوريا أو سنغافورة أو ماليزيا أو إندونيسيا، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. لدينا جغرافيتنا ومواردنا وتحدياتنا وتركيبتنا السكانية، ولدينا أيضًا تجاربنا وقدراتنا وفرصنا التي يمكن البناء عليها.
لكن ما يمكن أن نستفيده من هذه الرحلة هو أن بناء المستقبل يحتاج إلى رؤية واضحة لا تتغير بتغير الأشخاص، وتعليم يواكب احتياجات التنمية، وصناعة تضيف قيمة إلى مواردنا، وإدارة كفؤة تحسن استخدام الإمكانات، وتمنح القطاع الخاص والمجتمع فرصًا حقيقية للمشاركة.
كما أن التنمية لا يمكن أن تكتمل دون الاهتمام بالقاعدة المحلية؛ فكل محافظة ومركز ومدينة وقرية لديها احتياجات وإمكانات تختلف عن غيرها، ولا يمكن تحقيق تنمية متوازنة دون إدارة تعرف هذه الاحتياجات، وتملك القدرة على ترتيب الأولويات، وتتابع التنفيذ وتحافظ على ما يتحقق من إنجازات.
فإصلاح أي دولة يبدأ من إصلاح نظامها المحلي، ومعركة التنمية الحقيقية لا تُحسم في العاصمة وحدها، بل تبدأ من القاعدة التي يعيش فيها المواطن، ويختبر من خلالها أثر السياسات والقرارات على حياته اليومية.
لقد علمتنا هذه الرحلة أن النهضة ليست مشروعًا واحدًا، ولا قرارًا عابرًا، ولا مجموعة من المشروعات مهما كبر حجمها؛ إنها منظومة متكاملة، يبدأ بناؤها بالإنسان، وتحركها الإدارة الواعية، ويوجهها التخطيط، وتحمي استمراريتها المؤسسات.
وفي النهاية، لسنا مطالبين بأن نستنسخ تجارب الآخرين، وإنما أن نتعلم منها، ونختار ما يناسب واقعنا، ونمتلك الإرادة والقدرة على تحويل الدروس إلى عمل.
فالأمم لا تتقدم بما تملكه فقط، بل بما تحسن صنعه مما تملك.