موقع جريدة بكره أحلى الاخبارية رئيس مجلس الادارة والتحرير وجدى وزيرى
لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد بقعة جغرافية تتنازعها المصالح ، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها الإرادات الدولية و الإقليمية ، و تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية ،
و تتشابك فيها الأمن و الطاقة و الممرات البحرية و الحدود الإقليمية و الهيمنة على الثروات البترولية، و النفوذ السياسي.
و من يتابع ما يجري اليوم يدرك أن المنطقة تقف أمام واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ عقود ، و أن أي خطوة غير محسوبة قد تدفع الجميع الي مسار يصعب الرجوع عنه ، لا منتصر فيها و لا مهزوم ، فالجميع خاسر، و منطقة الشرق الأوسط تحديداً علي شفي حافة الهاوية.
و لأن التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً ، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج أزماته بأشكال و نماذج مختلفة ، فإن ما تشهده المنطقة اليوم يذكرنا بأن السلام ليس حالة دائمة ، كما أن الحرب ليست قدرا محتوما”، و إنما كلاهما نتيجة لقرارات سياسية تتخذ في لحظات قد تبدو عابرة ، لكنها ترسم مصير أجيال كاملة ، و مصير شعوب و دول.
لقد أصبحت منطقة الشرق الأوسط مركزاً لتنافس القوي الكبري ، ليس فقط بسبب الأطماع و الصراعات الجيوسياسية ، و إنما لما تمتلكه من ثروات طبيعية و مصادر الطاقة و الغاز ، و ممرات بحرية استراتيجية و أسواق مؤثرة .
و لذلك فإن أي أزمة تنشب فيه لا تبقي محصورة داخل حدوده ، بل تمتد آثارها لتشمل المنطقة بأكملها ،
و تؤثر سلباً على الإقتصاد العالمي و أسعار الطاقة التي تقفز تباعاً يوما بعد يوم بأرقام غير مسبوقة.
و حركة التجارة العالمية و أسواق المال ، بل و حتي الأمن الغذائي في كثير من دول العالم ، فمن مضيق هرمز الي باب المندب ،
و من قناة السويس الي شرق البحر المتوسط ، تمر شرايين التجارة العالمية ، و تعبر نسبة كبيرة من صادرات النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد الدولي ، و لهذا لم تعد أي أزمة تقع في هذه المنطقة شأنا محليا ، بل أصبحت قضية عالمية تنعكس آثارها على أسعار الطاقة و الغاز ،
و حركة التجارة العالمية ، و سلاسل الإمدادات ، و أسواق المال و معدلات النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم.
لقد تغيرت طبيعة الصراعات السياسية و قواعد اللعبة بصورة جذرية ، فلم تعد الحروب تقاس فقط بعدد الدبابات و الطائرات أو حجم القوات علي الأرض ، بل أصبحت تدار عبر منظومات معقدة تشمل التكنولوجيا المتقدمة ، و الحرب الإلكترونية ،
و الهجمات السيبرانية ،
و الطائرات المسيرة ، قليلة التكاليف و الصواريخ الباليستية الفرط صوتية التي تصيب أهدافها بعيدة المدى بدقة بالغة من خلال رصد ومتابعة الأهداف بالأقمار الصناعية.
و أصبح تحقيق الردع لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها ، بل علي القدرة على إدارة الأزمة و منع تحولها إلى ساحة لحرب شاملة .
و في قلب هذه المعادلة السياسية و العسكرية تقف القوي الإقليمية و الدولية في حالة من الترصد و الترقب والحذر و لكل منها له حساباته الخاصة ، فالولايات المتحدة الأمريكية تسعي بشتي الطرق الي الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية و علي تواجدها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط للحفاظ علي ماء وجهها و هيبتها كقوي عسكرية عظمي في العالم، بعد ما لم تستطع الوصول إلي الأهداف التي تريد تحقيقها من حربها ضد إيران فلم توقف برنامجها النووي الإيراني ، و لم تسيطر على الممر المائي العالمي مضيق هرمز سيطرة كاملة ، و لم تمنع إيران من ضرب جيرانها بالصواريخ و الطائرات المسيرة علي دول الخليج و لم تصل إلي إتفاق أو إطار تفاوضي يفضي الي إنهاء العمليات العسكرية أو الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران.
أما من ناحية إيران فإنها تنظر إلي أمنها القومي و نفوذها الإقليمي بإعتبارهما عنصرين أساسيين في استراتيجيتها.
بينما تعمل دول الخليج علي حماية استقرارها ،
و حدودها الإقليمية والدولية ، و تنوع شركائها ، و تحصين إقتصادها من تداعيات أي تصعيد عسكري واسع.
و في الوقت نفسه ، تراقب قوي دولية كبري مثل الصين و روسيا و الاتحاد الأوروبي المشهد السياسي و العسكري عن كثب لأن إستقرار منطقة الشرق الأوسط يرتبط ارتباط وثيق بأمن الطاقة ، و التجارة العالمية و الإستقرار الاقتصادي العالمي ، و من ثم فإن أي مواجهة واسعة لن تظل محصورة داخل حدود الأقليم ، بل قد تمتد آثارها إلي الإقتصاد العالمي بأسره.
* و يبقي السؤال الكبير الي أين تمضي المنطقة؟
هل تتجه نحو نظام إقليمي أكثر توازناً و إستقرارا ، أم أننا أمام مرحلة طويلة من التوترات السياسية و الصراعات الجيوسياسية؟
لا أحد يستطيع الإجابة يقينا” ، لكن المؤكد أن ما يجري اليوم سيترك بصمته علي مستقبل منطقة الشرق الأوسط لعقود قادمة ، و أن القرارات التي تتخذ الآن ستحدد شكل المنطقة و مكانتها في النظام العالمي الجديد.
*إن منطقة الشرق الأوسط يقف بالفعل علي حافة الهاوية ، لكنه لا يزال يملك فرصة حقيقية للعودة إلى طريق الإستقرار و السلام إذا إنتصرت الحكمة علي الإنفعال ، و الحوار و التفاوض علي التصعيد ، و الإتفاق على مبادئ السلام علي الحرب و الصدام .
فالحروب قد تصنع لحظات من التفوق العسكري ، لكنها نادراً ما تصنع سلاما دائماً ، أما السلام القائم على العدالة و إلإحترام المتبادل و المصالح الاقتصادية المشتركة فهو وحده القادر علي حماية الأوطان ، و صوت مصالح الشعوب ،
و بناء مستقبل يستحقه الجميع.
و اليوم ، أكثر من أي وقت مضى ، تحتاج منطقة الشرق الأوسط الي قادة يقرأون المستقبل بعين الحكمة ،
لا بعين المواجهة العسكرية وحدها ، قادة تستوعب الدروس المستفادة من الحروب التي مرت عبر التاريخ و مدي تأثيرها، فالمنطقة لم تعد تحتمل حروبا” جديدة ، و لا شعوبها لم تعد تريد مزيداً من النزيف الإقتصادي المستمر .
أما موقف الدول العربية ، فإنها تجد نفسها أمام مسئولية تاريخية في الحفاظ علي أمنها القومي ، و تعزيز التعاون الأمني و الإقتصادي فيما بينها ، و التمسك بالحلول السياسية آلتي تجنب المنطقة مزيداً من الانقسامات ، فكلما إزدادت مساحة الحوار ، تراجعت فرص المواجهة ، و كلما أرتفعت لغة العقل ، تقلصت احتمالات الخلافات.
و مع ذلك لا ينبغي الخضوع الي التشاؤم ، فالتاريخ يخبرنا أيضا أن أصعب الأزمات قد تكون بداية لتحولات إيجابية إذا توافرت الإرادة السياسية ، و إذا أدرك الجميع أن الحروب مهما طالت ، فإن نهايتها تكون علي طاولة المفاوضات.
لذلك فإن الحكمة تقتضي العمل علي منع التصعيد ، و فتح قنوات الإتصال ،
و البحث عن حلول تحفظ مصالح الدول و تحمي الشعوب من ويلات الحروب و الصراعات.
*و سيذكر التاريخ أن اعظم الانتصارات لم تكن تلك التي حسمت في ميادين القتال ، بل تلك التي إنتصرت فيها إرادة السلام السلام القائم علي العدل علي إغراء الحرب ،
و العقل علي الإنفعال و المستقبل علي حسابات اللحظة .
فهل تكون هذه هي اللحظة المنتظرة التي بختار فيها الجميع طريق الإستقرار، أم أن منطقة الشرق الأوسط ستظل واقفة علي حافة الهاوية في إنتظار المجهول ؟