موقع جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري كتبت: نجوى العشيري
وكيل أول وزارة – سكرتير عام بالمعاش
كاتبة مهتمه بقضايا الادارة المحلية
و التنمية و الوعي الوطني
لا أعرف كيف حدث هذا، لكنني وجدت نفسي فجأة خارج حدود اهتماماتي المحلية. كنت أبحث عن خبر عادي عن سد بُني بسواعد مهندسينا في الخارج، فوجدت نفسي أتعمق في سهول تنزانيا، أبحث عن نظامها، عن اقتصادها، عن شعبها.
أنا بنت قرية من قرى محافظة القليوبية، اللي واخدة على خضار الدلتا وهدوءها، عمري ما تخيلت إن سهول روفيجي البعيدة هتشدني بالشكل ده.. لكن يبدو أن الفضول إذا بدأ، لا يعترف بخرائط.
بدأت بخريطة، ثم باسم.. جوليوس نيريري. واكتشفت أننا لا نعرف عن تنزانيا أي شيء تقريباً. كل ما نعرفه صورة قديمة لأسد في محمية سيلوس. لكن الحقيقة أن تنزانيا بلد مساحته ضعف مساحة مصر، ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا، ويجلس على احتياطي غاز يتجاوز 57 تريليون قدم مكعب، وسبعون بالمائة من سكانه شباب، وعنده جزيرة زنجبار التي يسمونها مالديف أفريقيا.
ومع كل هذا، كانت تعيش في الظلام.
وهنا فهمت لماذا كان سد جوليوس نيريري هو مشروع الإنقاذ. السد الذي شُيّد بسواعد مهندسينا وأبناء مصر، تحالف المقاولون العرب والسويدي إليكتريك على نهر روفيجي، سد بطول ألف وخمسة وعشرين متراً، يحجز خلفه بحيرة 34 مليار متر مكعب، ومحطة كهرباء 2115 ميجاوات تكفي 17 مليون أسرة.
وهنا، وأنا أتأمل صورة البحيرة العملاقة، بدأت الأفكار تدور في عقلي.
فكرت.. هذه البحيرة العملاقة، ألا تعني ملايين الأفدنة الجديدة القابلة للزراعة؟ وتنزانيا تستورد ثمانين بالمائة من قمحها.. دار في خاطري، لماذا لا يذهب الفلاح المصري بخبرته ليزرع قمحنا هناك؟
ثم خطر في بالي.. بلد يملك كل هذا الذهب والغاز ولا يملك بنية لاستخراجه، وتتركه للشركات الكندية.. لماذا لا نكون نحن؟
وسرحت بخيالي.. هذه الكهرباء التي أنتجتها سواعد أبنائنا، ألا تحتاج شبكة توزيع وطرقاً وكباري؟ سمعة المهندس المصري هناك أصبحت أسطورة، فلماذا لا تكون المناقصات القادمة كلها من نصيبنا؟
وحتى السياحة، قلت لنفسي.. سياحة زنجبار تنمو ثلاثين بالمائة سنوياً، ونحن أقرب إليهم.. لماذا لا أرى شركة سياحة مصرية هناك؟
وفي نهاية رحلتي هذه، أدركت أن ما حدث في تنزانيا لم يكن مجرد مشروع مقاولات ناجح.
ما حدث هو ذكاء قيادة.
قيادة سياسية أدركت مبكراً أن عودة مصر لأفريقيا لا تكون بالشعارات، بل بالمشروعات التي تمس حياة الناس. سد نيريري لم يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار فقط، بل رسخ عودة السيادة المصرية الناعمة للقارة السمراء. عدنا ليس كضيف، بل كشريك بناء، وكدولة قادرة على أن تنير قارة بأكملها.
وهذا هو المعنى الحقيقي للجمهورية الجديدة، أن يكون للمهندس المصري والعامل المصري بصمة في الدلتا، وفي سهول روفيجي أيضاً.