جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري كتبت : نجوى العشيري وكيل اول وزارة سكرتير عام بالمعاش كاتبة مهتمة بقضايا الادارة المحلية و التنمية و الوعي الوطني
في المقال السابق، توقفنا عند سؤال ربما يبدو بسيطًا في كلماته، لكنه كبير في معناه:
فهل يمكن أن نتحدث عن تماسك المجتمع بعيدًا عن تفاصيل حياة الناس؟
اليوم، يأتي حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن ضرورة الاهتمام بجدارة التعليم، والتأكيد على أن بناء وتنمية مصر وتحقيق الإصلاح والتطوير مسؤولية جماعية، ليقودنا إلى جانب آخر من المعادلة: فإذا كانت الهوية الوطنية تبدأ من تفاصيل حياة الناس، فإنها لا تكتمل إلا ببناء الإنسان.
فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، ولا مؤسسات تؤدي أدوارها، وإنما إنسان يحمل وعيه وقيمه ومعرفته وانتماءه، ويعرف أن له دورًا في صناعة المستقبل.
ومن آسيا إلى أفريقيا، نجد تجارب لدول أدركت أن التعليم ليس مجرد نقل للمعرفة، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من مشروع بناء المجتمع.
في سنغافورة، واجهت الدولة مجتمعًا متعدد الأعراق واللغات والثقافات، فكان التعليم أحد المسارات التي ساعدت على بناء هوية وطنية مشتركة، مع الحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي.
وفي أفريقيا، تقدم رواندا تجربة مختلفة؛ فقد كان عليها، بعد مأساة إنسانية عميقة، أن تعيد بناء مؤسساتها ومجتمعها، فأصبح إصلاح التعليم أحد مسارات إعادة البناء، مع الاهتمام بالمناهج وتدريب المعلمين وتعزيز قيم الوحدة والسلام.
ولا تعني الإشارة إلى هذه التجارب أنها نماذج يمكن نقلها كما هي؛ فلكل دولة ظروفها وتاريخها وتركيبتها. لكنها تؤكد لنا حقيقة مهمة: أن المدرسة يمكن أن تكون مكانًا لبناء المشترك بين أبناء المجتمع، كما يمكن أن تصبح، إذا غابت الرؤية الجامعة، مساحة تزيد الانقسام.
وفي بعض التجارب الأخرى، مثل البوسنة والهرسك، ظل التعليم والمناهج والتعامل مع التاريخ متأثرًا بتعقيدات الانقسام الذي خلفته الحرب، ليصبح بناء نظام تعليمي قادر على جمع المكونات المختلفة تحديًا مستمرًا.
إذن، القضية ليست في عدد المدارس وحده، ولا في المناهج وحدها، ولا في الحصول على شهادة.
السؤال الأهم هو:
أي إنسان نريد أن تخرجه المدرسة إلى المجتمع؟
وهنا نصل إلى مصر.
مصر من الدول التي تمتد أراضيها عبر قارّتين؛ فأغلب أراضيها في أفريقيا، بينما تقع سيناء في آسيا. وهي عبر تاريخها الطويل نقطة التقاء لحضارات وثقافات وتجارب إنسانية متعددة.
وهذا التنوع ليس عبئًا على الهوية الوطنية، وإنما يمكن أن يكون مصدرًا من مصادر قوتها، عندما يجد ما يجمع أبناء الوطن مساحة أوسع من كل ما قد يفرق بينهم.
ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين تفاصيل الحياة والهوية الوطنية.
فربما كانت مبادرة «حياة كريمة» واحدة من أوضح الإجابات عن السؤال الذي بدأنا به؛ لأن تحسين جودة الحياة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتقليل الفجوات التنموية، لا يعني فقط إنشاء طريق أو مدرسة أو وحدة صحية، وإنما يعني أن يشعر الإنسان بأن احتياجاته حاضرة في حسابات التنمية، وأن المكان الذي يعيش فيه له نصيب من الاهتمام.
وهنا تظهر قيمة الإرادة المصرية؛ فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بما يُنجز من مشروعات، وإنما بقدرة الإنسان على أن يكون شريكًا في الحفاظ عليها والاستفادة منها والبناء عليها، وأن ينتقل من مجرد المستفيد من التنمية إلى أحد صانعيها.
ومن هنا يصبح السؤال التالي أكثر إلحاحًا:
كيف نبني هذا الإنسان؟
هنا يأتي التعليم، ليس باعتباره مجرد وسيلة للحصول على شهادة، وإنما باعتبار مؤسساته المكان الذي يتشكل فيه وعي المواطن، ويتعرف من خلاله على هويته، ويتعلم معنى المواطنة، ويدرك حقوقه وواجباته، ويتدرب على المشاركة وتحمل المسؤولية.
فالطالب الذي يتعلم أن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن حقه يقابله واجب، وأن نجاحه الشخصي لا ينفصل عن المجتمع الذي يعيش فيه، يتعلم في الحقيقة جانبًا أساسيًا من معنى المواطنة.
ولهذا فإن الحديث عن جدارة التعليم يتجاوز فكرة التفوق في الامتحان أو الحصول على شهادة.
نحن نتحدث عن تعليم يخرج إنسانًا قادرًا على التفكير، وعلى الاختيار، وعلى العمل، وعلى احترام القانون، وعلى التعامل مع الاختلاف، وعلى إدراك أن الوطن ليس فقط ما يحصل عليه منه، وإنما أيضًا ما يقدمه هو لوطنه.
وهذه المهمة لا تستطيع وزارة واحدة أن تقوم بها بمفردها.
فالأسرة لها دور، والمدرسة والجامعة لهما دور، والثقافة والإعلام لهما دور، ومؤسسات الدولة كلها معنية، وكذلك المجتمع المدني وكل من يشارك في تشكيل وعي الإنسان.
وهنا يصبح حديث الرئيس عن المسؤولية الجماعية أكثر من مجرد حديث عن الإصلاح الإداري أو تطوير المؤسسات؛ إنه حديث عن مشروع مجتمع، وعن إنسان نريده قادرًا على حمل هذا المشروع إلى المستقبل.
فالمشروعات تبني المكان، لكن الإنسان هو الذي يحافظ عليها ويطورها.
والتعليم لا يصنع متعلمًا فقط، وإنما يستطيع أن يصنع مواطنًا يعرف من أين جاء، ويفهم واقعه، ويحترم وطنه، ويشارك في مستقبله.
وعندما نصل إلى هذه النقطة، نكتشف أن الهوية الوطنية ليست فكرة بعيدة عن تفاصيل الحياة، وليست شعارًا نردده في المناسبات.
إنها تبدأ من شعور الإنسان بأن وطنه يعني له شيئًا، وتكبر عندما يجد في هذا الوطن مكانًا له، وعدلًا في الفرص، وتعليمًا يحترم عقله، ومساحة للمشاركة، ومسؤولية يؤديها تجاه مجتمعه.
وهنا تعود بنا الرحلة إلى السؤال الذي بدأنا منه:
هل يمكن أن نتحدث عن تماسك المجتمع بعيدًا عن تفاصيل حياة الناس؟
ربما لا.
لأن تماسك المجتمع يبدأ من الإنسان، والإنسان لا يُبنى في فراغ.
فالهوية الوطنية لا تُورث كاملة.. إنها تُبنى، جيلًا بعد جيل.