صمتٌ في زمن الضجيج
كتب : وجدى وزيرى
في عصرٍ تتسارع فيه الخُطى وتتداخل الأصوات، حيث باتت الشاشات الباردة تحتل مساحات قلوبنا وتستحوذ على أيامنا، نعيش في جزر صامتة، يحيط بنا البشر من كل جانب، لكننا لا نكاد نعرف عنهم شيئاً سوى ظل طيفٍ على عتبة باب أو صدى حركة في الرواق.
ثمَّ يفجعنا واقعٌ مرير، نبأٌ ينزف وجعاً وأسى؛ حين تُتوفى طبيبة عيون جليلة على فراشها، وتبقى وحدها في سكون الموت ثلاثة أعوام كاملة، لا يفتقدها أهل، ولا يسأل عنها جار، ولا يتفقدها صديق أو زميل ولم يُكشف عن رحيلها الأليم إلا حين دقت جرسَ الحقيقة قسوةُ الإجراءات القانونية ونفادُ صبر صاحب الشقة لتنفيذ حكم تمكين بسبب تأخر الإيجار
أهذا هو مصير من أفنت عمرها تنور بصيرة المرضى وتعيد إليهم نور الحياة؟ أن تغادر في ظلمات النسيان وحدها، لا يذرف عليها دمعة، ولا يُرفع لفراقها كف ضراعة؟
وتأخذنا الذكريات إلى زمنٍ جميل، زمنٍ كانت البيوت فيه مفتوحة الأبواب والقلوب، حيث لم تكن الجدران تفصل بين النفوس، بل كانت الأطباق الدّوارة تطوف بين الجيران محمولةً بالمحبة؛ يخرج طبقٌ بـ«المحشي» ، ويعود محملًا بـ«البسبوسة» الساخنة. وتتشكل الواجبات.
أتذكر طفولتي حين تجرأت يوماً وغاب أهل البيت، فدخلت المطبخ وحدي لأصنع أول طبق «بامية ويكة» على الطريقة الصعيدية الأصيلة، لكن بملء اليد من الشغف والمحبة. طرقتُ باب جارتنا الحبيبة «خالتي زغلوله أم فارس» رحمها الله، فتذوقتها وأثنت عليها قائلةً بابتسامة دافئة: «حلوة أوي يا واد يا وجدي، هات شوية كمان».
كانت البيوت عائلاتٍ متكاملة؛ ففي الأسفل «خالتي أم وحيد»، وأمامها «خالتي أم صلاح»، ويسكن في الأعلى «خالتي جمهورية – أم هلال» رحمهم الله جميعاً. لم يكن بيننا مجرد جوار، بل كان دفء الإخوة والأخوات والأهل ، وكأن كل جارةٍ كانت أماً ثانيةً تحتضننا بحنانها وتغمرنا برعايتها.
لقد حثنا ديننا الحنيف، ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، على حفظ حقوق الجار، وجعل الإحسان إليه دليلاً على صدق الإيمان وحسن الخُلق.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (متفق عليه).
بل وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حق الجار مرتبطاً بالإيمان بالله واليوم الآخر، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (رواه البخاري ومسلم).
إن الجار لم يعد اسماً على مسكنٍ مجاور، بل أصبح مسؤوليةً إنسانية وأخلاقية ودينية؛ فحق الجار ليس مجرد كف الأذى، بل يمتد إلى تفقد الحال، ومدّ يد العون، وإشاعة روح التراحم والمودة.
فلنقف مع أنفسنا وقفة صدق. لماذا انطفأت تلك الشموع الجميلة في أحياءنا؟ لماذا أصبحنا نمر على جيراننا فلا نلقي السلام، ولا نسأل إن كان بينهم مريضٌ أو محتاج أو غائب؟
دعونا نعيد تلك الأيام الجميلة، ونحيي سنة التراحم والتآلف؛ فلنطرق أبواب المحبة قبل أن تسبقنا الأيام، ولنكن كما وصفنا النبي صلى الله عليه وسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. طمئنوا على من تجاورونهم، فرب محتاج لكلمة طيبة، ورب وحيدٍ ينتظر بصيص أملٍ يأتيه من باب جاره.
رحم الله امواتنا، وأعاد إلى مجتمعاتنا دفء الجيرة والمحبة التي نفتقدها.
