موقع جريدة بكره احلى الاخبارية رئيس مجلس الإدارة والتحرير وجدى وزيري
في مقهى على رصيف الجغرافيا
ـ على أي رصيف نلتقي اليوم يا كمال؟
ـ على رصيفنا الذي شغل العالم منذ الأزل…
ـ تقصد رصيف البحر الأبيض المتوسط؟
ـ الشرقي منه يا صديقي.
ـ إنها فلسطين… لبنان… سورية…
ـ أكمل يا غسان… إنها بلاد الشام التاريخية، بامتداداتها التي تبدّلت حدودها عبر العصور، ولكنها بقيت دائماً في قلب خرائط العالم القديم والحديث.
ـ هات القهوة يا بهاء، لنتحدث قليلاً عن لعنة الجغرافيا.
ـ ولماذا تسميها لعنة؟ ربما كانت نعمة!
ـ كانت بلاد الشام يا غسان قلب العالم القديم، ونقطة التقاء بين قاراته وحضاراته.
ـ ليس جديداً ما تقول. موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا جعلها ملتقى للقوافل، ومعبر الجيوش، ومركزاً لتقاطع طرق التجارة البرية قديماً وحديثاً.
ـ ولذلك لم تكن يوماً بعيدة عن أعين القوى الكبرى. فالجغرافيا التي منحتها أهميتها، جعلتها أيضاً موضع تنافس دائم بين الإمبراطوريات والدول.
ـ وهذا يعيدني إلى برنارد لويس، وإلى الأفكار الجيوسياسية التي رأت في منطقتنا مفتاحاً مهماً في موازين القوة العالمية.
ـ تقصد تلك الرؤى التي تحدثت عن انقسامات المنطقة الدينية والطائفية والعرقية، وعن خرائط يمكن أن يعاد تشكيلها؟
ـ نعم يا غسان… والمؤلم أن ما كان يُقرأ يوماً كنظريات وخرائط، نرى بعض ملامحه اليوم على أرض الواقع. حتى حدود سايكس ـ بيكو، التي رفضناها طويلاً، صرنا نخشى على بقائها أمام احتمالات المزيد من التشظي.
ـ إذن، برأيك، المكان هو الذي جعل بلادنا دائماً محط أنظار الغزاة والطامعين؟
ـ إنها… الجغرافيا.
ـ ولكن برزت اليوم أهمية المضائق أكثر من أي وقت مضى: من هرمز إلى باب المندب إلى قناة السويس…
ـ وهذا ما أقصده. عندما تضطرب الممرات البحرية أو تُهدَّد، تعود الأنظار إلى نقطة التقاطع الأولى بين القارات الثلاث.
ـ يعني بلاد الشام التاريخية…
ـ نعم. طرق التجارة القديمة نفسها تعود اليوم بأسماء أخرى: ممرات دولية، خطوط نقل، أنابيب، وطرق لإمدادات الطاقة.
ـ أليست هذه نعمة الله علينا؟ أن جعل بلادنا واحدة من أهم البقاع على وجه الأرض؟
ـ هي نعمة حين نملك قرارها… لكنها قد تنقلب نقمة حين يتصارع الآخرون عليها، ويتسلل الطامعون إليها من جنوبها وشمالها، ومن بحرها وبرّها.
ـ كلٌّ يريد أن يقتطع لنفسه مكاناً فيها…
ـ أو يقضم قطعة من لحمها.
ـ أو يمزقها أشلاء…
ساد الصمت لحظات.
ووضع بهاء فناجين القهوة على الطاولة، ثم قال:
ـ تتحدثان منذ ساعة عن لعنة الجغرافيا… وما ذنب الجغرافيا؟
نظر غسان إلى كمال مبتسماً:
ـ سمعتَ يا كمال؟ حتى بهاء يعترض على عنوانك!
رفع كمال فنجان قهوته، وأطال النظر نحو البحر:
ـ ربما معك حق يا بهاء… فالأرض لم تخن أهلها يوماً. بقيت الشام في مكانها آلاف السنين، عبرت فوقها الجيوش، وسقطت إمبراطوريات، وتبدلت خرائط… وبقيت هي.
ـ إذن ليست الجغرافيا هي اللعنة؟
ـ ربما لا…
ثم أضاف:
ـ ربما تبدأ اللعنة حين يعرف الآخرون قيمة جغرافيتنا أكثر مما نعرفها نحن.
وبقيت فناجين القهوة على الطاولة…
وبقيت الشام… في حمى الله و رعايته .